قراءة وتعليق على كتاب"الموطأ للإمام مالك بن أنس / الدرس ( 21) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

3,836 مشاهدة
237 مشاركة
منذ 4 سنوات
```html

المقدمة

يُسعدنا أن نقدم لكم الدرس الحادي والعشرين من سلسلة قراءة وتعليق على كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. هذا الدرس يغوص في أعماق "كتاب الأقضية" وهو من أهم أبواب الفقه الإسلامي التي تُعنى بإرساء العدل وتحقيق الإنصاف بين الناس.

يُعد "الموطأ" مرجعًا أساسيًا لكل طالب علم وباحث عن الفقه الصحيح، و"كتاب الأقضية" فيه يمثل حجر الزاوية في فهم كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية في حل النزاعات وحفظ الحقوق. يهدف هذا الدرس إلى تسليط الضوء على المبادئ الإسلامية للعدل والقضاء، وكيفية تطبيقها في شتى مناحي الحياة، مع التأكيد على أهمية الشهادات وأحكامها.

نتناول في هذا الدرس بأسلوب تعليمي مبسط ومفصل، ما جاء في الموطأ حول الترغيب في القضاء بالحق، وأحكام الشهادات المختلفة، وضوابط القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، بالإضافة إلى التذكير بمنزلة الأماكن والأزمنة الفاضلة في عظم الأجر أو الذنب، مما يعزز فهمنا لعمق الشريعة الإسلامية وشموليتها.

المحاور الرئيسية

1. أسس القضاء بالحق ومسؤولية القاضي

يبدأ الدرس بتعريف القضاء بأنه "المنع"، أي منع المتخاصمين من التعدي على حقوق بعضهم البعض، ويسلط الضوء على المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتق القاضي. فالقاضي، وإن كان بشرًا، يجب عليه أن يجتهد لتحقيق الحق والعدل، مستعينًا بالله تعالى. ويُشدد على أن القاضي لا ينبغي له أن يحابي أحدًا على حساب الدين أو الحق، حتى لو كان المتخاصم مبغوضًا لديه.

يُروى في هذا السياق حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، الذي يوضح طبيعة القضاء البشري ومحدودياته، ويحذر من أخذ ما ليس بحق:

عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ.»

كما يستعرض الشيخ قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع المسلم واليهودي، حيث قضى عمر لليهودي بالحق، مما يدل على أن العدل لا يعرف دينًا ولا عرقًا، وأن القاضي الحق يؤيده الله بملائكته ليسددوه إلى الصواب.

2. أحكام الشهادات وضوابط قبولها

يتناول الدرس تفصيلًا لأحكام الشهادات، وهي الركن الأساسي في إثبات الحقوق وإنفاذ الأحكام. يوضح الشيخ أن الشهادة هي واجب شرعي، ويحث على أدائها قبل أن تُطلب إذا كان فيها إحقاق حق أو إبطال باطل.

ويُذكر في هذا الصدد حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه:

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا.»

كما يبين الشيخ أن هناك شهادات لا تُقبل، مثل شهادة الخصم أو الظنين (المتهم في شهادته)، وشهادة الزور التي تُعد من كبائر الذنوب. ويُناقش حكم قبول شهادة من أُقيم عليه الحد إذا ظهرت منه التوبة والصلاح، مستشهدًا بقول الله تعالى في شأن القذف:

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[سورة النور: الآيات 4-5]

3. القضاء باليمين مع الشاهد الواحد وضوابطه

يُفصل الشيخ في حكم القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، وهو ما جرى عليه العمل عند الإمام مالك رحمه الله، والذي يقضي بأن صاحب الحق إذا جاء بشاهد واحد، فإنه يحلف مع شهادته ويستحق حقه. وهذا الحكم ينطبق على الأموال خاصةً، ولا يجوز تطبيقه في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق، ولا في العتاق، ولا في السرقة، ولا في القذف.

ويُذكر الشيخ أمثلة لتطبيق هذا المبدأ في بعض المسائل المالية والعتاق، كما يوضح أن شهادة النساء لا تجوز في الحدود وما يلحق بها كالعتاقة والطلاق، إلا في حالات استثنائية محددة مثل شهادة المرأتين على استهلال الصبي (صراخه عند الولادة) لإثبات حقه في الميراث، حتى لو كان ذلك يتعلق بأموال عظيمة.

4. منزلة الأماكن والأزمنة في عظم الذنب والأجر

يختتم الدرس بتنبيه هام حول عظمة بعض الأماكن والأزمنة في الشريعة الإسلامية، مما يزيد من أجر الطاعة فيها أو عظم ذنب المعصية. ويستشهد الشيخ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف على منبره الشريف:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي آثِمًا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.»

هذا التنبيه يدعو إلى تقدير قدسية هذه الأماكن والأوقات، ويحث على الفقه في الدين والفهم العميق لأصول الاختلاف بين الفقهاء، وكيفية الوصول إلى الحق بعد التمحيص والتدبر.

النقاط الرئيسية

  • القضاء في الإسلام هو منع المتخاصمين من التعدي وإقامة العدل بينهم.
  • على القاضي أن يتحرى الحق والعدل ولا يحابي أحدًا، مع إدراكه لمحدودية علمه البشري.
  • شهادة الزور من كبائر الذنوب، وتجب على المسلم الشهادة بالحق ولو لم تُطلب منه.
  • لا تُقبل شهادة الخصم أو الظنين (المتهم) في شهادته.
  • يجوز قبول شهادة من أقيم عليه حد القذف إذا تاب وأصلح.
  • القضاء باليمين مع الشاهد الواحد خاص بالمسائل المالية دون الحدود والأنكحة والطلاق والعتاق.
  • عظمة الأماكن والأزمنة الفاضلة تزيد من أجر الطاعة وعظم ذنب المعصية.

الفوائد والعبر

  • تعزيز فهمنا لأهمية العدل والقضاء في بناء مجتمع إسلامي سليم.
  • التأكيد على ضرورة الصدق والأمانة في الشهادات والمعاملات، وتجنب شهادة الزور.
  • التمييز بين أنواع القضايا والأحكام التي تُطبق فيها قواعد الشهادة المختلفة.
  • تقدير منزلة الأماكن والأزمنة الفاضلة في الإسلام، والحذر من انتهاك حرمتها.
  • حث طلاب العلم على تعميق الفهم الفقهي والقدرة على الجمع بين الأقوال وتمييز الحق.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات