شرح كتاب" عقيدة السلف وأصحاب الحديث" للإمام الصابوني/الدرس(3) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة
يأتينا هذا الدرس المبارك، وهو الثالث ضمن سلسلة شرح كتاب "عقيدة السلف وأصحاب الحديث" للإمام الصابوني، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول هذا الدرس أحد أهم وأدق مسائل العقيدة الإسلامية، وهي مسألة إثبات صفة النزول والمجيء لله سبحانه وتعالى، وهي من الصفات الخبرية التي يجب على المسلم الإيمان بها وفق منهج السلف الصالح.
يهدف هذا الشرح إلى ترسيخ الفهم الصحيح لعقيدة أهل السنة والجماعة في التعامل مع نصوص صفات الله عز وجل، بعيدًا عن التأويل والتحريف والتعطيل والتشبيه والتكييف. فالمسلم مدعو للإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من غير أن يخوض في كيفية هذه الصفات، مؤمنًا بأن الله "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الشورى: 11).
يُعد هذا الدرس مرجعًا قيمًا لكل طالب علم وباحث عن الحق، حيث يقدم الشيخ توضيحًا وافيًا للأدلة الشرعية من القرآن والسنة، مع ذكر أقوال الأئمة والسلف في هذه المسألة الحساسة، مما يعمق الإيمان ويحصن العقيدة من الشبهات والأخطاء.
المحاور الرئيسية
1. إثبات صفة النزول والمجيء لله تعالى بلا تكييف ولا تمثيل
يؤكد الدرس على عقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات صفتي النزول والمجيء لله سبحانه وتعالى، كما وردت في نصوص الكتاب والسنة الصحيحة. فالله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ويجيء يوم القيامة، وهذه الصفات نثبتها على حقيقتها اللائقة بجلاله وعظمته، دون أن نكيفها أو نمثلها بصفات المخلوقين.
يُشدد الشيخ على خطورة التشبيه، مستشهدًا بقول نعيم بن حماد الخزاعي (شيخ البخاري): "من شبه الله بخلقه فقد كفر"، مؤكدًا أن نزوله ومجيئه ليس كنزول ومجيء المخلوقين. ويستدل الشيخ بقوله تعالى: "هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ" (البقرة: 210) وقوله تعالى: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا" (الفجر: 22).
2. منهج السلف في التعامل مع نصوص الصفات
يوضح الدرس المنهج السلفي الأصيل في التعامل مع نصوص الصفات، وهو الإيمان بما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وإمرار هذه النصوص على ظاهرها اللائق بالله، مع تفويض علم الكيفية إلى الله وحده. فلا يجوز الخوض في كيفية نزول الله أو مجيئه، بل نؤمن بذلك ونقول: "بلا كيف".
يُبرز الشيخ قصصًا ومواقف للأئمة الكبار كالإمام إسحاق بن راهويه والإمام عبد الله بن المبارك، الذين سُئلوا عن كيفية النزول، فأجابوا بـ "ينزل بلا كيف" و "ينزل كيف يشاء"، مما يؤكد أن السؤال عن الكيفية بدعة ومخالفة لمنهج السلف.
3. التحذير من التشبيه والتكييف ووسوسة الشيطان
يُحذر الدرس بشدة من الوقوع في فخ التشبيه والتكييف لصفات الله، مؤكدًا أن هذا من أخطر الأبواب التي يفتحها الشيطان على الإنسان في عقيدته. فمجرد تخيل كيفية لصفة من صفات الله، أو ظن أن نزوله يعني خلو مكان منه، هو نوع من التشبيه الذي يؤدي إلى الكفر.
ينبه الشيخ إلى أن الله "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"، وأن أي محاولة لتصوير الكيفية في الذهن هي من وسوسة الشيطان التي يجب دفعها والتعوذ منها، والتسليم المطلق لله في كيفية صفاته.
4. الأدلة النقلية المستفيضة على نزول الله تعالى
يورد الدرس العديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تثبت نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وهو حديث متواتر متفق على صحته رواه جمع غفير من الصحابة الكرام منهم أبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وأبو الدرداء رضي الله عنهم أجمعين.
من هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". كما يذكر الشيخ زيادات في بعض الروايات مثل بسط اليدين، وذكر نزوله يوم عرفة، وما يصاحب ذلك من دلالات عظيمة.
نقاط رئيسية
- وجوب الإيمان بصفات الله الخبرية كصفة النزول والمجيء على ظاهرها اللائق بالله تعالى.
- التحذير الشديد من تشبيه الله بخلقه أو تكييف صفاته، فذلك كفر وابتداع.
- منهج السلف هو إثبات ما أثبته الله لنفسه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتفويض علم الكيفية إليه سبحانه.
- حديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل حديث متواتر وصحيح.
- دعوة الله لعباده في الثلث الأخير من الليل للاستجابة للدعاء والمغفرة والعطاء.
- لا يجوز السؤال عن كيفية نزول الله أو مجيئه، بل نكتفي بقول: "بلا كيف".
- الحذر من وسوسة الشيطان التي تدعو إلى تخيل كيفية لصفات الله أو التفكير في خلو المكان منه.
الفوائد والعبر
- تعزيز الإيمان بكمال الله وعظمته، وأنه لا يشبه شيئًا من خلقه.
- تثبيت العقيدة السلفية النقية بعيدًا عن الشبهات والتحريفات.
- الترغيب في قيام الليل والدعاء والاستغفار في الثلث الأخير منه اغتنامًا لنزول الله تعالى.
- الامتثال لأوامر الله ورسوله في الإيمان بالغيب دون خوض فيما لا يعلمه إلا الله.
- تنمية الخشية والتعظيم لله في القلب، والابتعاد عن التفكير فيما لا يليق بجلاله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات