شرح كتاب |[ الورقات ]| للإمام الجويني ( 16 ) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة الدرس
يُقدم فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري الدرس السادس عشر من سلسلة شرح كتاب "الورقات" للإمام الجويني، مُركزًا في هذه الحلقة على أحد أهم مصادر التشريع الإسلامي: الإجماع. يُعد الإجماع ركيزة أساسية في استنباط الأحكام الشرعية، وهو ما توافقت عليه الأمة المحمدية عبر عصورها.
يهدف هذا الدرس إلى تعريف المشاهدين بمفهوم الإجماع لغة واصطلاحًا، وبيان حجيته وشروطه، مع استعراض أقوال العلماء حول تفصيلاته. سيتمكن المشاهد من فهم مكانة الإجماع كدليل شرعي معصوم، وكيفية التمييز بين الإجماع الصحيح وما قد يُدعى زورًا.
يبدأ الشيخ درسه بالحمد والثناء والدعاء، مؤكدًا على أهمية العلم النافع والعمل الصالح، ثم ينتقل مباشرة إلى صلب الموضوع، مستعرضًا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤسس لحجية الإجماع وتُعظم من شأنه في الشريعة الإسلامية.
المحاور الرئيسية
1. تعريف الإجماع وحجيته
يُعرّف الشيخ الإجماع لغةً بأنه العزم الأكيد ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾، والتفّاق. أما اصطلاحًا فهو: "اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة". ويُشدد الشيخ على أن المقصود بـ "علماء العصر" هم الفقهاء المجتهدون الذين بلغوا مرتبة الاجتهاد، مستثنيًا العوام وعلماء اللغة والقراءات والتوحيد والمحدثين إن لم يكونوا فقهاء.
يؤكد الدرس على أن الإجماع هو أحد مصادر التشريع الرئيسية الثلاثة بعد الكتاب والسنة، وأن حجيته مستمدة من عصمة الأمة المحمدية، كما ورد في الحديث الصحيح: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ". ويُستدل على حجيته أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
2. شروط الإجماع ومن يعتبر فيه
يشرح الشيخ أن الإجماع لا يُعتد به إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن اتفاق علماء أهل العصر على حكم حادثة شرعية هو الشرط الأساسي. يوضح أن الحادثة يجب أن تكون شرعية، وليست لغوية أو نحوية أو غيرها، لأنها محل نظر الفقهاء.
يُفصل في من يُعتبر قولهم في الإجماع، وهم الفقهاء المجتهدون، ويستبعد غيرهم من التخصصات الأخرى أو العوام، مؤكدًا أن العمود الفقري للفتوى هو علم أصول الفقه، وأن المفتي يجب أن يكون أصوليًا ضليعًا. ويُشير إلى أن إجماع غير الأمة المحمدية (كاليهود والنصارى) لا يُعتبر ولا كرامة له، لأنهم قد يُجمعون على الكفر والضلال.
يُذكر الشيخ أيضًا حديث "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ. مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ" كدليل على أهمية الجماعة والاتفاق.
3. أقسام الإجماع والخلافات المتعلقة به
يقسم الشيخ الإجماع إلى قسمين رئيسيين: الإجماع القطعي والإجماع الظني. الإجماع القطعي هو ما يُعلم بالضرورة، كوجوب الصلوات الخمس وتحريم الزنا والخمر، ومنكره يُكفّر. أما الإجماع الظني فهو أمر متعذر وليس مستحيلاً، وقد اختلف فيه العلماء حول إمكانيته بعد انتشار الأمة.
كما يقسم الإجماع إلى إجماع قولي (يصرح كل فقيه برأيه) وإجماع فعلي (يفعلونه جميعًا)، وإجماع سكوتي (يعلم بالقول ويسكت عليه الباقون دون إنكار أو ترهيب، وهذا فيه خلاف). ويُناقش الدرس مسألة "انقراض العصر" وهل يُشترط موت جميع المجتهدين الذين أجمعوا على حادثة معينة، ويذكر أن جمهور العلماء لا يشترطون ذلك.
ويُشير إلى الخلاف حول اعتبار إجماع غير الصحابة، حيث يرى الظاهرية أنه إجماع الصحابة فقط، بينما جماهير العلماء يرون أن الإجماع حجّة إذا وقع في أي عصر بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
النقاط الرئيسية
- الإجماع هو اتفاق علماء أهل العصر على حكم حادثة شرعية.
- يُعتبر الإجماع أحد مصادر التشريع الإسلامي الأساسية بعد الكتاب والسنة.
- حجية الإجماع مستمدة من عصمة الأمة المحمدية التي لا تجتمع على ضلالة.
- يُشترط في من يُعتبر قوله في الإجماع أن يكون فقيهًا مجتهدًا، ويُستثنى العوام وغير المتخصصين في الفقه.
- ينقسم الإجماع إلى قطعي (معلوم بالضرورة) وظني (متعذر الوقوع غالبًا)، وإلى قولي وفعلي وسكوتي.
- لا يُعتبر إجماع غير الأمة المحمدية (مثل اليهود والنصارى) لأنه قد يكون على الكفر والضلال.
- الخلاف قائم بين العلماء حول شرط انقراض العصر (موت جميع المجتهدين) لثبوت الإجماع.
الفوائد والعبر
- فهم أصول التشريع: يُمكن المشاهد من فهم أحد أهم الأصول التي تُبنى عليها الأحكام الشرعية، مما يُعمق فهمه للشريعة الإسلامية.
- تمييز الإجماع الصحيح: يُعلم المشاهد كيفية التمييز بين الإجماع الحقيقي المُعتبر وبين الدعاوى الباطلة للإجماع.
- تقدير مكانة العلماء: يُبرز الدرس الدور المحوري للفقهاء المجتهدين في حفظ الشريعة واستنباط الأحكام، وضرورة الرجوع إليهم.
- الاعتصام بالجماعة: يُرسخ أهمية الوحدة والاتفاق في الأمة، وأن في جماعة المسلمين عصمة من الخطأ والضلال.
- المنهجية العلمية: يُقدم نموذجًا للمنهجية العلمية في دراسة المسائل الفقهية، من حيث التعريف والشروط والأدلة ومناقشة الخلافات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات