شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《33》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,368 مشاهدة
91 مشاركة
منذ سنتين
```html

المقدمة

نقدم لكم الدرس الرابع والثلاثين من سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام الشنقيطي رحمه الله، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. هذا الدرس هو غوص عميق في أحد أهم مباحث علم أصول الفقه؛ وهو مبحث "النسخ"، الذي يُعد مفتاحًا لفهم الأحكام الشرعية وتطورها في التشريع الإسلامي.

يهدف هذا الشرح إلى إيضاح مفهوم النسخ، وأقسامه المختلفة، وبيان ما يجوز أن ينسخ وما لا يجوز، مع ذكر الأمثلة التطبيقية من القرآن والسنة. سيتعلم المشاهد الفروقات الدقيقة بين أنواع النسخ المتفق عليها وتلك التي وقع فيها الخلاف بين العلماء، مما يعمق فهمه للمنهج الفقهي ويحصنه من الخلط واللبس في مسائل الأحكام.

إن فهم مبحث النسخ ضروري لكل طالب علم وباحث في الشريعة، فهو يرسخ قواعد الاستنباط ويجيب عن كثير من الإشكالات التي قد تواجه المتدبر للنصوص الشرعية، كما يؤكد على عصمة الوحي وكمال التشريع الإسلامي الذي جاء رحمة للعالمين، مع التأكيد على منزلة النبي صلى الله عليه وسلم كمبلغ عن ربه لا كمشرع مستقل.

المحاور الرئيسية

1. أقسام النسخ المتفق عليها بين العلماء

يبدأ الشيخ بتوضيح أقسام النسخ التي لا خلاف معتبر فيها بين العلماء، مؤكدًا على أن هذه الأنواع الثلاثة حظيت بإجماع الأمة. وهي تشمل نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة المتواترة بمثلها من السنة المتواترة، ونسخ سنة الآحاد بمثلها من سنة الآحاد.

يُقدم الشيخ أمثلة واضحة لهذه الأقسام، فمثلاً على نسخ القرآن بالقرآن يُذكر نسخ عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى نسخ السنة المتواترة بمثلها يُذكر نسخ النهي عن زيارة القبور ثم الأمر بها. هذا التحديد للأنواع المتفق عليها يضع أساسًا متينًا لفهم المباحث الأكثر تفصيلاً التي تليها.

كقوله ﷺ في نسخ السنة بالسنة: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا".

2. نسخ السنة بالقرآن الكريم

يتناول الشيخ مسألة جواز نسخ السنة بالقرآن الكريم، مؤكدًا على وقوع ذلك وأن جمهور العلماء يذهبون إليه، وإن كان قد نقل قولًا للإمام الشافعي بمنع ذلك، إلا أنه بيّن أن للشافعي قولين في المسألة. النسخ هنا يشمل السنة المتواترة وسنة الآحاد على حد سواء، وذلك لأن القرآن قطعي الثبوت.

يورد الشيخ أمثلة عديدة لهذا النوع من النسخ، منها نسخ التوجه إلى بيت المقدس (الذي ثبت بالسنة) بالتوجه إلى الكعبة المشرفة (الذي ثبت بالقرآن)، ونسخ حكم رد المسلمات إلى الكفار في صلح الحديبية (الذي ثبت بالسنة) بقوله تعالى: "فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ" [الممتحنة: 10]. ومن الأمثلة كذلك نسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان (الذي كان ثابتًا بالسنة) بقوله تعالى: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ" [البقرة: 187].

ويُضاف إلى ذلك نسخ تأخير الصلاة في حالة الخوف (الذي ثبت بفعل النبي ﷺ في غزوة الأحزاب) بقوله تعالى في صلاة الخوف: "وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ" [النساء: 102].

3. نسخ القرآن بالسنة المتواترة

هذا المحور يتناول مسألة دقيقة، وهي جواز نسخ القرآن الكريم بالسنة المتواترة. يذكر الشيخ رأي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله الذي يمنع هذا النوع من النسخ، مستدلًا بقوله تعالى: "مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [البقرة: 106]، حيث يرى أصحاب هذا القول أن السنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله.

ثم يعرض الشيخ الرأي الراجح وهو جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة ووقوعه، مستدلًا بأن كلًا من الناسخ والمنسوخ هو من عند الله تعالى، وأن الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى. ويذكر أمثلة على ذلك، كنسخ حكم "خمس رضعات" (الذي كان جزءًا من القرآن ثم نسخت تلاوته وحكمه بالسنة)، ونسخ سورتي الخلع والحفد اللتين كانتا من القرآن ثم نسخت تلاوتهما وبقي العمل بهما في القنوت.

ويذكر الشيخ لفظ سورتي الخلع والحفد كما كان يقنت بهما عمر رضي الله عنه: "اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ مُلْحِقٌ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ وَلَا نَكْفُرُكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْضَعُ لَكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَكْفُرُكَ."

4. منزلة النبي ﷺ في التشريع وأهمية الاتباع

يختتم الشيخ الدرس بالتأكيد على أن النبي ﷺ مبلغ عن ربه، وليس مشرعًا من تلقاء نفسه، وأن التشريع لله وحده. هذا المبدأ أساسي في فهم طبيعة الوحي النبوي، وأن كل ما جاء به النبي ﷺ هو من وحي الله، سواء كان قرآنًا أو سنة.

ويستشهد الشيخ بعدة آيات قرآنية تؤكد هذه الحقيقة، منها قوله تعالى: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ" [النجم: 3-4]، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" [المائدة: 67]. كما يذكر الآية التي تبين عظمة القرآن وحفظه: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: 9].

ويشدد الشيخ على أن العلماء ليسوا مشرعين، بل هم مبلغون ومتبعون لما جاء به النبي ﷺ، مستشهدًا بقول الإمام الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". ويؤكد على أن أي محاولة لتحريف الدين أو تغيير أحكامه هي باطلة ومصيرها الفشل، لأن الله تكفل بحفظ دينه وكتابه.

ويختم بآية عظيمة تبرز ذل النبي ﷺ لربه واعترافه بعدم قدرته على تغيير الوحي: "قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [يونس: 15].

النقاط الرئيسية

  • النسخ هو رفع حكم شرعي متقدم بحكم شرعي متأخر، وهو من مباحث أصول الفقه الهامة.
  • هناك ثلاثة أنواع من النسخ متفق عليها: نسخ القرآن بالقرآن، السنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد.
  • يجوز نسخ السنة (متواترة أو آحاد) بالقرآن الكريم، وقد وقع ذلك في عدة مسائل كتحويل القبلة.
  • يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند المحققين من العلماء، خلافًا لبعض الآراء، وقد وقع ذلك بأمثلة مثل "خمس رضعات" وسورتي الخلع والحفد.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه، وليس مشرعًا مستقلاً، وكل ما جاء به هو وحي من الله.
  • القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله تعالى، ولا يستطيع أي مخلوق تحريفه أو تبديله.
  • العلماء مبلغون ومتبعون للكتاب والسنة، وليسوا مشرعين، وكلامهم يُعرض على الوحي.

الفوائد والعبر

  • تعميق الفهم التشريعي: يكتسب المشاهد فهمًا أعمق لكيفية تطور الأحكام الشرعية ومرونتها ضمن إطار الوحي.
  • ترسيخ اليقين بحفظ الدين: تزداد قناعة المشاهد بعصمة القرآن والسنة وحفظ الله لدينه من التحريف والتبديل.
  • تحديد المرجعيات الشرعية: يتعلم المشاهد الفرق بين التشريع الإلهي والاجتهاد البشري، مما يعزز لديه أهمية الاتباع وترك الابتداع.
  • تقدير جهود العلماء: يتعرف على منهج العلماء في التعامل مع النصوص الشرعية وكيفية استنباط الأحكام والتوفيق بينها.
  • الحذر من الأهواء: يُحذر المشاهد من الانسياق وراء من يحاولون تغيير أحكام الدين أو تحريفها باسم العصرنة أو غير ذلك.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات