شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《49》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,256 مشاهدة
492 مشاركة
منذ سنتين

مقدمة

يُعد هذا الدرس التاسع والأربعون حلقةً مهمة ضمن سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام الشنقيطي رحمه الله، يقدمها فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يغوص هذا الدرس في أحد أهم مصادر التشريع الإسلامي بعد الكتاب والسنة، وهو الإجماع، مبيناً تعقيداته وتفاصيله الدقيقة التي تبرز عمق هذا العلم.

يهدف هذا الفيديو إلى تسليط الضوء على مسائل خلافية وجوهرية تتعلق بالإجماع، مثل اعتبار قول التابعي المجتهد، وحجية إجماع الأكثرين، وإجماع أهل المدينة، واتفاق الخلفاء الراشدين، وشرط انقراض العصر. من خلال هذا الشرح المفصل، سيكتسب المشاهد فهماً عميقاً لأسس بناء الأحكام الشرعية ومنهجية العلماء في التعامل مع الأدلة الأصولية، مما يعزز قدرته على فهم الخلاف الفقهي وأسبابه.

المحاور الرئيسية

1. اعتبار اجتهاد التابعي في عصر الصحابة في الإجماع

يتناول هذا المحور مسألة ما إذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، فهل يُعتد بقوله في الإجماع أم لا؟ يرى جمهور العلماء، وهو أحد القولين عند الإمام أحمد، أنه يُعتد بقوله؛ لأن العبرة بالعلم وبلوغ مرتبة الاجتهاد لا بمجرد شرف الصحبة. فالصحابة لم يكونوا جميعاً مجتهدين، بل كان منهم العلماء وغير العلماء، لذا فالعبرة الأساسية بالعلم والاجتهاد.

في المقابل، يرى القاضي أبو يعلى وبعض الشافعية أنه لا يُعتد بقوله. ويُرجح الشيخ قول الجمهور، مؤكداً أن التابعي إذا بلغ مرتبة الاجتهاد أصبح من علماء الأمة الذين يُعتد بآرائهم في الإجماع. أما إذا انعقد إجماع الصحابة قبل بلوغ التابعي رتبة الاجتهاد، فلا عبرة بقوله لأنه مسبوق بالإجماع.

2. حكم إجماع الأكثرين من أهل العصر

يوضح هذا المحور أن الإجماع لا ينعقد بقول الأكثرين من أهل العصر في قول جمهور العلماء. ويُحذر الشيخ من الخطأ الشائع في قول "اتفق الجمهور" واستخدامه كمرادف للإجماع، مبيناً أن هذا قول لأكثر أهل العلم وليس إجماعاً بالمعنى الأصولي الذي تتفق عليه الأمة كلها.

خالف ابن جرير الطبري وأبو بكر الرازي الجصاص، وبعض من أومأ إليهم الإمام أحمد، فرأوا أن مخالفة الواحد والاثنين لا تقدح في الإجماع. وحجة الجمهور أن العصمة إنما هي للكل لا للبعض، وأن الإجماع هو اتفاق جميع علماء الأمة. وفي سياق اعتبار الأمة ككل، يُذكر قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: 143)، حيث يدل هذا على شمولية الأمة في الشهادة.

3. إجماع أهل المدينة النبوية وحجيته

يبحث هذا المحور في حجية إجماع أهل المدينة. يرى جمهور العلماء أنه ليس بحجة؛ لكونهم جزءاً من الأمة وليس الأمة كلها. بينما يرى الإمام مالك رحمه الله أنه حجة بشروط محددة؛ وذلك لأهمية المدينة النبوية كمصدر للتشريع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.

شروط الإمام مالك لاعتبار إجماع أهل المدينة: أولاً، أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه (أي مبني على نص صريح). ثانياً، أن يكون من الصحابة أو التابعين. وذلك لأن قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه هو في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وألحق بهم مالك التابعين لتعلمهم عن الصحابة. وقد قسم شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع أهل المدينة إلى أربع مراتب، ويُقدم الإمام مالك عمل أهل المدينة على خبر الآحاد في بعض الحالات.

4. اتفاق الخلفاء الأربعة واشتراط انقراض العصر للإجماع

يناقش هذا المحور نقطتين هامتين: أولاً، اتفاق الخلفاء الأربعة الراشدين ليس إجماعاً عند الجمهور، لكنه حجة قوية يُحتج بها، حيث إنهم كانوا من أعلم الصحابة وأكثرهم فهماً للدين. وما نُقل عن الإمام أحمد من عدم الخروج عن قولهم لا يعني أنه إجماع، بل هو دليل قوي يستدل به، لورع الإمام أحمد واجتهاده في الأخذ بأقوال الصحابة.

ثانياً، مسألة اشتراط انقراض العصر لثبوت الإجماع. ذهب الإمام أحمد في إحدى روايتيه وبعض الشافعية إلى اشتراط ذلك، بينما يرى الجمهور وأبو الخطاب أن الإجماع ينعقد بمجرد اتفاق كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة. وحجتهم أن هذا الشرط يؤدي إلى تعذر الإجماع عملياً؛ لأنه لا يكاد عصر ينقرض إلا ويحدث من أولاده من يكون من علماء العصر، مما يجعل الإجماع مستحيلاً تقريباً في الواقع.

النقاط الرئيسية

  • الكافر لا يُعتبر قوله في الإجماع، أما الفاسق الملي (المبتدع) ففيه خلاف، والراجح أنه لا يُعتد بقوله.
  • يُعتد بقول التابعي إذا بلغ رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة عند جمهور العلماء، لأن العبرة بالعلم لا بالصحبة.
  • لا يُعد إجماع الأكثرين من أهل العصر إجماعاً بالمعنى الأصولي عند الجمهور، بل هو قول لأكثر أهل العلم، مع وجود رأي يرى عدم اعتبار مخالفة الواحد والاثنين.
  • إجماع أهل المدينة ليس حجة عند الجمهور، لكن الإمام مالك يراه حجة بشروط صارمة تتعلق بكونه مبنياً على نص ومن الصحابة أو التابعين.
  • اتفاق الخلفاء الأربعة الراشدين يعتبر حجة قوية يُستدل بها، لكنه ليس إجماعاً بالمعنى الشامل الذي يشمل جميع المجتهدين.
  • شرط انقراض العصر لثبوت الإجماع محل خلاف بين العلماء، والجمهور يرى عدم اشتراطه لتعذر الإجماع به عملياً.
  • يُؤكد الشيخ أن الإجماع بمعناه الشامل المتعذر عملياً في الواقع المعاصر، نظراً لكثرة العلماء وتفرقهم.

الفوائد والعبر

  • تقدير عمق وثراء علم أصول الفقه، وكيفية بناء الأحكام الشرعية على أسس علمية رصينة ودقيقة.
  • التمييز بين مستويات الاتفاق المختلفة (الإجماع، قول الجمهور، اتفاق الأئمة) وفهم قوة كل منها كدليل شرعي في الاستنباط.
  • تجنب الوقوع في الخطأ الشائع بخلط "اتفاق الجمهور" بالإجماع المطلق، مما يوضح أهمية الدقة في المصطلحات الأصولية والشرعية.
  • الاطلاع على منهجية كبار الأئمة كالإمام مالك والإمام أحمد في التعامل مع الأدلة الخلافية، مما يعزز الفهم النقدي للمذاهب الفقهية.
  • فهم التحديات العملية التي تواجه تحقيق الإجماع في العصور المتأخرة، مما يدعو إلى التواضع العلمي والاعتراف بوجود الخلاف المعتبر بين العلماء.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات