خطبة جمعة بعنوان --- : " طاعون العصر" لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
مقدمة عن "طاعون العصر"
في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتفاقم التحديات، تأتي هذه الخطبة لتلقي الضوء على قضية محورية تمس صميم وجود الأمة الإسلامية وسلامتها. يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في خطبته هذه، المعنونة بـ "طاعون العصر"، ظاهرة انتشار الأوبئة والأمراض المستعصية، ليس من منظور طبي بحت، بل من زاوية شرعية عميقة تربط هذه الظواهر بما يرتكبه البشر من معاصٍ ومخالفات لأمر الله تعالى.
تهدف هذه الخطبة إلى إيقاظ القلوب وتذكير العقول بالسنن الإلهية التي لا تتغير، والتي تحكم علاقة الإنسان بربه وبمجتمعه. سيتعلم المشاهد من خلال هذا المحتوى التعليمي الهام كيفية فهم التحذيرات النبوية الشريفة التي تتنبأ بما نعيشه اليوم، وأثر الفواحش والمعاصي العلنية في جلب البلايا والمصائب. كما ستلهم هذه الخطبة المشاهد للتفكير في دوره الفردي والجماعي في إصلاح المجتمع والعودة إلى منهج الله القويم، ليكون ذلك سبباً في رفع البلاء وحفظ الأمة من طاعون العصر الحقيقي الذي يتمثل في فساد الأخلاق والبعد عن الدين.
المحاور الرئيسية
النبوءة المحمدية وتحققها في زماننا
يبدأ الشيخ خطبته بالحديث النبوي الشريف الذي يحذر من خمس خصال إذا ظهرت في الأمة، فإنها تجلب عليها عقوبات إلهية. ويؤكد أن ما نراه اليوم من انتشار للأوبئة والأمراض المستعصية التي لم تكن معروفة في أسلافنا، هو تحقيق مباشر للتحذير النبوي الشريف. هذه الأمراض ليست مجرد ظواهر طبيعية، بل هي نتيجة حتمية ومباشرة لانتشار الفاحشة والفسق علناً بين الناس.
الحديث الشريف: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: مَا ظَهَرَتْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا..." (رواه ابن ماجه وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما)
يشدد الشيخ على أن هذا الحديث ليس مجرد إخبار بالغيب، بل هو منهج رباني لربط الأسباب بالمسببات، فانتشار الفاحشة العلنية هو السبب المباشر لظهور "طاعون العصر" من أمراض جسدية ونفسية ومجتمعية لم تكن معهودة من قبل.
الفاحشة والفسق العلني: جذور الأوبئة والهلاك
تتناول الخطبة بعمق قضية الفاحشة، لا سيما حينما تصبح ظاهرة علنية ومقبولة مجتمعياً، بل ومروجة عبر وسائل الإعلام المختلفة. يربط الشيخ بين هذا الانتشار العلني للفواحش وبين العقوبات الإلهية المتمثلة في الأمراض المستعصية التي تفتك بالصحة الجسدية والنفسية للمجتمعات. ويحذر من خطورة من يحبون إشاعة الفاحشة، سواء بالقول أو بالفعل أو بالترويج لها.
الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النور: 19)
ويذكر الشيخ أن الأمة كانت خير أمة ما دامت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولكن عند تعطيل هذه الفريضة، انتشرت الفواحش والمنكرات، وظهر الفساد في البر والبحر، مما أدى إلى انتشار الأمراض والمشاكل التي نعايشها اليوم.
علامات الساعة: نساء كاسيات عاريات ومجاهرة بالمعصية
يستعرض الشيخ علامة أخرى من علامات الساعة الصغرى التي تتحقق في زماننا، وهي ظهور "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات". ويشرح كيف أن هذا الوصف النبوي ينطبق تماماً على كثير من مظاهر التبرج والسفور وقلة الحياء في المجتمعات المعاصرة، وكيف أن هذا السلوك يسهم في إشاعة الفاحشة وتدمير القيم الأخلاقية.
الحديث الشريف: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: ... وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا..." (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)
كما يحذر الشيخ من خطر المجاهرة بالمعصية، حيث يرفع الله الستر عن المجاهر، ويصبح قدوة سيئة للآخرين، مما يزيد من انتشار الفساد. ويؤكد أن الله يعافي كل الأمة إلا المجاهرين، فالمجاهرة بالذنب جريمة مضاعفة، لأنها تتضمن تحدياً لله وإفساداً للمجتمع.
الحديث الشريف: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ..." (رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)
مسؤولية الأمة وسبيل النجاة
يختتم الشيخ خطبته بالتأكيد على أن التغيير يبدأ من الفرد ومن داخل الأسرة. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ويدعو إلى العودة الصادقة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌ حسب استطاعته وفي نطاق مسؤوليته.
الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11)
ويذكر بحديث "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" ليؤكد على المسؤولية الفردية لكل مسلم تجاه أسرته ومجتمعه. كما يحذر من "الوهن" الذي أصاب الأمة وهو حب الدنيا وكراهية الموت، والذي يجعلها عرضة لتداعي الأمم عليها. النجاة تكمن في تصحيح المسار، والرجوع إلى الله، والعمل الصالح، والتوبة النصوح.
الحديث الشريف: "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا... وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ. قَالُوا: وَمَا الْوَهْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ." (رواه أبو داود وأحمد عن ثوبان رضي الله عنه)
النقاط الرئيسية
- التحذيرات النبوية الشريفة في حديث "خمس إذا ابتليتم بهن" تتحقق في واقعنا المعاصر.
- انتشار الفاحشة والفسق العلني هو السبب الرئيسي لظهور الأوبئة والأمراض المستعصية غير المعهودة.
- ظاهرة "نساء كاسيات عاريات" هي من علامات الساعة التي تساهم في تدمير الأخلاق والقيم.
- المجاهرة بالمعصية تحرم صاحبها من ستر الله وعافيته، وتفسد المجتمع.
- إشاعة الفاحشة والترويج لها عبر وسائل الإعلام يوجب عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة.
- مسؤولية إصلاح المجتمع تقع على عاتق كل فرد، وتبدأ من إصلاح النفس والأسرة.
- العودة الصادقة إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي سبيل النجاة الوحيد.
الفوائد والعبر المستفادة
- فهم العلاقة الشرعية بين انتشار المعاصي وظهور البلايا والأمراض، مما يعمق الإيمان بالسنن الإلهية.
- الوعي بخطورة الفاحشة العلنية ودورها في إفساد المجتمع وجلب العقوبات، مما يدفع للفرد للمحافظة على نفسه وأسرته.
- التحفيز على التوبة النصوح والعودة إلى الله تعالى، والإكثار من الاستغفار والدعاء لرفع البلاء.
- التشجيع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، بدءاً من الدائرة الأقرب (الأسرة والأهل).
- إدراك أهمية التمسك بمنهج الله تعالى في كل جوانب الحياة، لضمان السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات