شرح كتاب إعلام الموقعين للإمام ابن القيم / الدرس (5) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة: في رحاب كتاب "إعلام الموقعين"
نقدم لكم الدرس الخامس من سلسلة شرح كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" للإمام العلامة ابن قيم الجوزية، يلقيه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. هذا الكتاب النفيس يعد مرجعًا أساسيًا في فقه الفتوى والقضاء، ويُسلط الضوء على عِظم المسؤولية الملقاة على عاتق من يتصدر للإفتاء أو الحكم بين الناس.
يُبين الشيخ في هذا الدرس أهمية العلم الشرعي وخطورة التجرؤ على القول في دين الله بغير علم، مستعرضًا أقوال السلف الصالح وورعهم الشديد في التعامل مع هذه المسائل الجليلة. الهدف من هذا الدرس هو غرس الوعي بقدسية الشريعة وضرورة التثبت والتحري قبل النطق في أمور الحلال والحرام، وبيان الفروقات الجوهرية بين مهمتي القاضي والمفتي.
سنتعلم من خلال هذا الشرح المبارك كيف كان سلفنا الصالح يتورعون عن الإفتاء والقضاء، وكيف حذروا من مغبة القول على الله بلا دليل، مما يعمق فهمنا لمسؤولية العلم وضرورة التروي والتثبت في كل ما يتعلق بالدين.
المحاور الرئيسية للدرس
1. خطورة القضاء والإفتاء في الإسلام
يفتتح الشيخ الدرس بالتأكيد على أن مهمة القضاء والإفتاء من أخطر المهام وأجلها، لما يترتب عليها من أحكام تمس حياة الناس ودينهم. ولهذا جاءت التحذيرات النبوية الشديدة لمن يتولى هذه المناصب دون علم أو عدل، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ. رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ." هذا الحديث يوضح أن العدل والعلم هما أساس قبول القضاء عند الله.
كما يذكر الشيخ حديثًا آخر يبرز عظم المسؤولية: "مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ." ويُضاف إلى ذلك الحديث القدسي: "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ." مما يدل على أن القاضي إذا حاد عن الحق، تخلى الله عنه ووكل أمره لنفسه الضعيفة.
وتتوالى التحذيرات في هذا الشأن، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَعَدَ قَاضِيًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ." وهذا تعبير بليغ عن شدة الأمر وخطورته. وكذلك قوله: "وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ، وَيْلٌ لِلْأُمَنَاءِ." مما يشير إلى أن كل من يتولى أمرًا من أمور المسلمين فهو في خطر عظيم إن لم يؤدِ الأمانة بحقها.
2. تحريم القول على الله بغير علم
يُشدد الدرس على أن القول على الله تعالى بغير علم هو من أعظم المحرمات، بل جعله الله في المرتبة العليا من المحرمات في قوله تعالى: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ." (الأعراف: 33). فهذه الآية الكريمة ترتب المحرمات وتبدأ بالفواحش ثم الإثم والبغي، ثم الشرك، ثم القول على الله بغير علم، مما يدل على فداحة هذا الذنب.
ويُضاف إلى ذلك قوله تعالى: "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ." (النحل: 116). هذه الآية تحذر تحذيرًا صريحًا من إطلاق أحكام الحلال والحرام بناءً على الأهواء أو الظنون، فمن فعل ذلك فقد افترى على الله الكذب.
لقد كان السلف الصالح يتورعون أشد الورع عن كلمة "حلال" و"حرام"، فلا يطلقونها إلا بدليل قاطع من الوحي، فمن قال: "أحل الله كذا وحرم كذا" بغير علم، فقد كذب على الله ورسوله، وعليه أن يتقي الله في ذلك.
3. الفارق بين مهمة القاضي والمفتي
يُوضح الشيخ الفرق الجوهري بين دور القاضي ودور المفتي، فبينما يختص القاضي بالبت في قضايا معينة بين أطراف محددة، ويكون حكمه ملزمًا، فإن المفتي يُصدر فتاوى عامة أو خاصة لمن يستفتيه، وتكون فتواه إخبارية وغير ملزمة للمستفتي إلا إذا أخذ بها طواعية.
رغم أن كليهما على خطر عظيم ومأجور أجرًا كبيرًا إذا أصابا، إلا أن خطر القاضي أعظم من جهة الإلزام، فإذا جار في حكمه أوقع الظلم على الناس وألزمهم به. بينما المفتي يخبر فقط، وللمستفتي أن يأخذ بفتواه أو يتركها، وإن كان عليه أن يتقي الله في فتواه ولا يضل الناس.
4. ورع السلف الصالح واحتياطهم في الإفتاء
كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- أشد الناس ورعًا واحتياطًا في الإفتاء والقضاء، وكانوا يتجنبون القول بـ "لا أدري" في كثير من المسائل التي لم يأت فيها نص صريح أو إجماع. يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لمن أفتى بقول: "لا تقل: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، ولكن قل: هذا ما أرى أمير المؤمنين عمر." وذلك لئلا ينسب الرأي إلى الله تعالى بغير يقين.
وقد كان الكثير منهم يقولون: "نكره كذا، ونرى هذا حسنًا" بدلًا من "حرام" أو "حلال" إذا لم يكن لديهم دليل قطعي. هذا الورع الشديد كان منهجًا ثابتًا لديهم لتجنب الوقوع في المحظور وهو القول على الله بغير علم، وحرصًا على سلامة دين الناس.
5. أمثلة تطبيقية للمكروهات والمحرمات
يختتم الشيخ الدرس بذكر أمثلة عملية من أقوال الأئمة والعلماء حول بعض المكروهات والمحرمات، مستعرضًا فقه الإمام أحمد وغيره في مسائل مختلفة. فمن ذلك كراهة أكل لحم الجلالة (الدواب التي تأكل النجاسات) حتى تُحبس وتُطعم الطاهر، وكراهة الأكل من صيد الكلب إذا لم يُرسَل عمدًا.
كما يذكر كراهة لبس الذهب والحرير للرجال، وكراهة استعمال أواني الذهب والفضة للرجال والنساء، وبعض المسائل المتعلقة بالأنكحة والطلاق، وكراهة استعمال جلود الحمير، وشرب الخمر في أواني الزهر، والصلاة في أماكن القاذورات، وكراهة لبس الحرير للصبيان. هذه الأمثلة توضح مدى دقة الفقهاء في التفريق بين الحلال والحرام والمكروه، وضرورة التثبت في كل ذلك.
نقاط رئيسية من الدرس
- مسؤولية القضاء والإفتاء عظيمة جدًا، وتتطلب علمًا وعدلًا وتقوى.
- القول على الله بغير علم من أكبر الكبائر وأشد المحرمات.
- الفتوى إخبارية وغير ملزمة، بينما حكم القاضي ملزم.
- ورع السلف الصالح في عدم التسرع في إطلاق أحكام الحلال والحرام.
- التحذير من إسناد الرأي الشخصي إلى الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم.
- أهمية التمييز بين الحلال والحرام والمكروه في الفقه الإسلامي.
- تجنب مواطن الشبهات والتحريم في المعاملات والأكل واللبس.
الفوائد والعبر المستخلصة
- تعميق الوعي بمسؤولية الكلمة: يُدرك المشاهد عظم المسؤولية عند التحدث في أمور الدين، فيتورع عن الخوض فيما لا يعلم.
- تقدير منزلة العلماء والقضاة: يُسهم الدرس في زيادة احترام المشاهد للعلماء والقضاة الحقيقيين الذين يتصفون بالورع والعلم، ويُحذره من المتجرئين على الفتوى.
- التحلي بالورع والاحتياط: يُشجع الدرس على التحلي بصفة الورع والاحتياط في جميع الأمور، خاصة ما يتعلق بالحلال والحرام، واتباع منهج السلف في التثبت.
- فهم دقيق للفقه الإسلامي: يُقدم الدرس أمثلة عملية توضح كيفية استنباط الأحكام وكيفية التفريق بين المستويات المختلفة للأحكام الشرعية (حلال، حرام، مكروه).
- تجنب الظلم واتباع الحق: يُعزز الدرس قيمة العدل والإنصاف في التعامل مع الناس، ويُحذر من الظلم أو الحكم بغير ما أنزل الله، سواء كان ذلك في القضاء الرسمي أو في الفتاوى الشخصية.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات