شرح كتاب " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث " ( 4 ) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
مقدمة: رحاب علم الحديث
يُعد علم الحديث الشريف من أجلّ العلوم وأشرفها، فهو الطريق الموصل إلى فهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم. وفي هذا السياق، يبرز كتابا "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" كأهم وأوثق كتب السنة النبوية، وقد حظيا بإجماع الأمة على قبولهما وصحة ما فيهما. إلا أن هناك بعض المفاهيم التي تحتاج إلى توضيح وتصحيح، خاصة فيما يتعلق بمدى استيعاب هذين الكتابين لجميع الأحاديث الصحيحة.
يهدف هذا الشرح الماتع لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري، ضمن سلسلة شرح كتاب "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث"، إلى تفكيك هذه المفاهيم وتقديم رؤية علمية معمقة تستند إلى أقوال كبار الأئمة والمحققين. يستعرض الشيخ بالتفصيل مسألة عدم استيعاب الشيخين (البخاري ومسلم) لكل الأحاديث الصحيحة، مبيناً الأسباب والضوابط التي ارتكزوا عليها، ومجيباً على الشبهات والمناقشات التي أثيرت حول هذه القضية.
سيتعلم المشاهد من خلال هذا الدرس أهمية التفريق بين كون الكتاب صحيحاً وبين كونه مستوعباً لجميع الصحيح، وسيكتسب فهماً أعمق لمنهج المحدثين في التصنيف والجمع، مما يعزز تقديره لجهودهم العظيمة في خدمة السنة النبوية المطهرة، ويصحح لديه بعض التصورات الخاطئة التي قد تؤثر على فهمه للحديث الشريف.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: حقيقة استيعاب الشيخين للصحيح وشرطهما
يُبيّن الشيخ أن الإمامين البخاري ومسلم، رحمهما الله تعالى، لم يستوعبا في كتابيهما "الصحيحين" كل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد صرح الإمام البخاري بنفسه أنه ترك من الصحاح خشية تطويل الكتاب، وأن ما أدخله هو ما صح عنده. وكذلك الإمام مسلم، لم يقل إنه لم يخرج من الحديث إلا الصحيح، بل قال "ما أخرجت هذا الكتاب إلا وكلّه صحاح"، وهذا لا يعني أنه استوعب كل الصحيح.
هذا المفهوم الأساسي يصحح النظرة الشائعة بأن كل صحيح لابد أن يكون في البخاري ومسلم، ويؤكد على أن منهج الشيخين كان يرتكز على شروط خاصة بهما، بالإضافة إلى الرغبة في الاختصار وتقديم عمل مركز ومحكم.
"إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ."
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (آل عمران: 102)
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" (النساء: 1)
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" (الأحزاب: 70-71)
"أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ."
المحور الثاني: مناقشات العلماء حول إخراج الصحيحين
تناول الشيخ مناقشات العلماء الكبار للشيخين، مثل الإمام الدارقطني والإمام ابن حبان، فيما يتعلق بالأحاديث التي كانت على شرطهما ولم يخرجاها. ووضح الشيخ الفرق الدقيق بين كتابي الدارقطني: "الإلزامات" و"التتبع". فالإلزامات تتعلق بالأحاديث التي كان ينبغي للشيخين إخراجها لأنها على شرطهما ولم يخرجاها، بينما التتبع يتعلق بتتبع بعض الأحاديث التي أخرجاها في أسانيدها وبيان ما فيها من علل أو نقاش.
وأكد الشيخ أن هذه المناقشات العلمية لا تقلل من قدر الصحيحين، بل هي جزء من المنهج العلمي الدقيق الذي اتبعه علماء الحديث لخدمة السنة وتوضيح الحقائق، وهي لا تعني الطعن في الإمامين أو في كتابيهما، بل هي استدراك علمي يثري البحث الحديثي.
المحور الثالث: تقدير عدد الأحاديث الصحيحة ومنهج العد
تطرق الشيخ إلى مسألة عدد الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وخارجهما، مبيناً أن هناك فرقاً بين عدد الأحاديث بدون تكرار وعددها بالتكرار مع اختلاف الأسانيد. فعدد أحاديث البخاري بدون تكرار يقارب 4000 حديث، بينما يتجاوز 7000 حديث بالتكرار. وأشار إلى أن بعض العلماء كالإمام الجوزقي استخرج على أحاديث الصحيحين فبلغت عدد طرقها أكثر من خمسة وعشرين ألف طريق.
هذا التوضيح يبيّن أن العدد الإجمالي للأحاديث الصحيحة أكبر بكثير مما يتصوره البعض، وأن الأحاديث التي فاتتهما على شرطهما أو على شروط أخرى صحيحة هي كثيرة، لكنها لا تقلل من كون ما أخرجاه هو أصح الصحيح.
"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ."
المحور الرابع: دلالات عدم الاستيعاب وأثرها على فهم السنة
شدد الشيخ على أن عدم استيعاب الشيخين لكل الصحيح لا يعني الطعن فيما تركاه من الأحاديث الصحيحة، ولا يفتح باباً للجدل في صحة ما أوردوه. بل إن هذا الفهم يعكس دقة المنهج العلمي للمحدثين، وأنهم لم يلزموا أنفسهم بجمع كل الصحيح في كتاب واحد، بل كان لكل منهم غاية ومنهج.
وأوضح أن القول بأن عدم الاستيعاب يتسبب في طعن الجهلة في السنة هو قول شاذ لا يعول عليه، لأن خدمة الدين ومنهج السلف هو الحق، ومن خالفه فهو الشاذ. فجهود الأئمة في جمع وتصنيف السنة هي خدمة جليلة للدين، ولا ينبغي أن تُقابل بالإساءة أو التشكيك، بل بالثناء والدعاء.
النقاط الرئيسية
- لم يقصد الإمامان البخاري ومسلم استيعاب كل الأحاديث الصحيحة في كتابيهما، بل التزما شروطاً خاصة.
- صرح البخاري بأنه ترك الكثير من الأحاديث الصحيحة خشية تطويل الكتاب.
- يجب التفريق بين "الإلزامات" و"التتبع" للدارقطني؛ فالأول يتعلق بأحاديث لم يخرجاها، والثاني بتتبع أسانيد ما أخرجاه.
- عدد الأحاديث في الصحيحين يختلف باحتساب التكرار من عدمه (حوالي 4000 بدون تكرار في البخاري، وأكثر من 7000 بالتكرار).
- الأحاديث الصحيحة المنتشرة في غير الصحيحين كثيرة، ولا يصح حصر الصحيح فيهما فقط.
- المناقشات العلمية حول الصحيحين لا تقلل من مكانتهما، بل هي تعكس دقة المنهج العلمي للمحدثين.
- القول بأن عدم الاستيعاب يفتح باباً للطعن في السنة هو قول باطل وشاذ لا قيمة له.
الفوائد والعبر
- تعميق فهم منهج المحدثين: يساعد الدرس على فهم دقيق للمنهجية التي اتبعها كبار المحدثين في جمع وتصنيف الحديث، وأن عملهم كان محكوماً بضوابط وشروط محددة.
- تصحيح المفاهيم الشائعة: يصحح الدرس الاعتقاد الخاطئ بأن كل حديث صحيح يجب أن يكون في البخاري ومسلم، مما يوسع مدارك المشاهد حول مصادر السنة الأخرى.
- تقدير جهود العلماء: يعزز الدرس تقدير المشاهد للجهود الجبارة التي بذلها الأئمة في خدمة السنة، وكيف حافظوا عليها بدقة وعناية فائقة.
- التعامل مع الخلاف العلمي: يعلم الدرس كيفية التعامل مع الخلافات والمناقشات العلمية بين العلماء، وأنها لا تعني الطعن بل هي إثراء وتدقيق.
- الحذر من الأقوال الشاذة: يحذر الدرس من الأقوال الشاذة التي تستغل المسائل العلمية الدقيقة للطعن في السنة أو إثارة الفتن، ويؤكد على لزوم منهج السلف الصالح.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات