شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《24》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,338 مشاهدة
266 مشاركة
منذ 3 سنوات
```html

مقدمة: رحلة عميقة في أصول الفقه والعقيدة

يُعد علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأكثرها أهمية، فهو المنهج الذي يُفهم به القرآن والسنة ويُستنبط منهما الأحكام. وفي هذا الدرس الماتع، الدرس الرابع والعشرون من شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رحمه الله، يأخذنا فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري في رحلة فكرية معمقة حول قضية محورية لطالما أثارت الجدل بين أهل العلم: هل يوجد مجاز في القرآن والسنة واللغة أم لا؟

يهدف هذا الدرس إلى إجلاء الغموض عن مفهومي الحقيقة والمجاز، وبيان الأقوال المختلفة حولهما، مع التركيز على خطورة القول بالمجاز وتأثيره المباشر على العقيدة الإسلامية الصحيحة. سيتمكن المشاهد من فهم الأسس التي بنى عليها العلماء آراءهم، والتعرف على أدلة منكري المجاز، وكيفية الرد على الشبهات المتعلقة ببعض الآيات القرآنية التي يُظن أنها من باب المجاز.

المحاور الرئيسية للدرس

1. تعريف الحقيقة والمجاز والخلاف في وجود المجاز بالقرآن والسنة

يبدأ الشيخ بتعريف المجاز على أنه "اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لقرينة تحمل على ذلك"، ويشير إلى أن هذا التعريف هو المتفق عليه بين القائلين بالمجاز. ثم يطرح الإشكالية الكبرى: هل يوجد مجاز في القرآن والسنة واللغة أم لا؟ ويذكر أن الجماهير ذهبوا إلى القول بوجوده، لكنه يرجح أن الحق هو عدم وجود المجاز في القرآن الكريم، وهو ما سيفصل فيه الدرس.

يناقش الشيخ نقطة أساسية تتعلق بواضع اللغة، حيث لا يوجد اتفاق بين أهل العلم على من وضع اللغة أصلاً، هل هي توقيفية من الله تعالى (كما في قول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرجحه الشيخ)، أم اصطلاحية بين البشر؟ هذا الخلاف يؤثر بشكل مباشر على تعريف المجاز، لأنه إذا لم نتفق على الواضع، فكيف يمكننا الجزم بأن لفظاً ما قد استعمل في غير ما وضع له؟

يُستدل على الخلاف في واضع اللغة بآيتين:
قال تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا" (البقرة: 31)
وقال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ" (إبراهيم: 4)

2. الأصول التاريخية والفكرية لظهور القول بالمجاز

يكشف الشيخ عن أن اصطلاح المجاز بهذا المعنى لم يكن معروفاً في كلام الصحابة والتابعين، وأن أول من تكلم به وبدأ في تأصيله هم المعتزلة. وقد كان هدفهم وغايتهم من ذلك إنكار صفات الله عز وجل التي وردت في الكتاب والسنة، مثل الاستواء على العرش.

يوضح الشيخ كيف أن الأشاعرة تبعوا المعتزلة في هذا القول، مما أدى إلى انتشار هذا المفهوم بين طلبة العلم والعلماء في الأزمان المتأخرة دون تدقيق وتحقيق كافٍ. ويُحذر من خطورة هذا الأمر على العقيدة، حيث يؤدي إلى تعطيل النصوص الشرعية المتعلقة بصفات الله تعالى.

من الآيات التي استغلها المعتزلة والأشاعرة:
قال تعالى: "الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ" (طه: 5)
حيث فسروها بالاستيلاء، وهو تأويل مبني على القول بالمجاز.

3. أدلة منكري المجاز ومناقشة الأمثلة القرآنية

يستعرض الشيخ أدلة من منع القول بالمجاز في القرآن، ويذكر عدداً من الأئمة الكبار من المالكية والحنابلة والظاهرية الذين أنكروا المجاز، منهم ابن خويز منداد، وأبا الحسن الخرازي، وأبا عبد الله بن حامد، وداود بن علي الظاهري، وابنه أبا بكر، والمنذر بن سعيد البلوطي. ويؤكد أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله من أبرز من أبطل المجاز، وقد أبطل ابن القيم المجاز من سبعين وجهاً في كتابه "الصواعق المرسلة".

ثم يناقش الشيخ الأمثلة القرآنية التي يوردها القائلون بالمجاز، ويفندها:

  • "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ" (الإسراء: 24): يوضح الشيخ أن هذا ليس مجازاً، بل هو من باب "إضافة الموصوف إلى صفته"؛ أي: اخفض لهما جناحك الذليل. وهذا أسلوب عربي معروف، كما في "مطر السوء" و"عذاب الهون". ويؤكد أن الذل يمكن أن يكون له جناح حقيقي، وأن الجمادات لها إرادات.
  • "وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ" (يوسف: 82): يبيّن الشيخ أن هذا من باب "حذف المضاف" وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير: "واسأل أهل القرية". وهذا أسلوب عربي بلاغي معروف، ولا يعني أن القرية (البناء) تُسأل، بل أهلها. ويُشير إلى أن القرية لا تُسمى قرية إلا بسكانها، وإلا فهي "أطلال".
  • "جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ" (الكهف: 77): يؤكد الشيخ أن هذا ليس مجازاً، وأن الجمادات لها إرادات حقيقية يعلمها الله جل وعلا. ويستدل على ذلك بحنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث الحجر الذي كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" (الإسراء: 44).

4. خطورة القول بالمجاز على العقيدة

يُسلط الشيخ الضوء على أخطر تبعات القول بالمجاز، وهي أن المجاز يجوز نفيه، بينما الحقيقة لا يجوز نفيها. فإذا قيل بوجود المجاز في القرآن، فهذا يعني أن هناك ما يجوز نفيه في كتاب الله، وهذا يؤدي إلى القول بوجود "زيادة وحشو" في القرآن، وهو باطل بالإجماع.

يوضح أن هذا هو السبيل الذي سلكه المعطلة (المعتزلة ومن تبعهم) لنفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فإذا قالوا إن آية من آيات الصفات مجاز، جاز لهم نفي الصفة، كقولهم في الاستواء: استولى، أو غير ذلك من التأويلات التي لا تليق بجلال الله.

يختتم الشيخ هذا المحور بالتأكيد على أن فهم هذا الفارق بين الحقيقة والمجاز ضروري جداً لصيانة عقيدة المسلم من الانحرافات والتأويلات الباطلة التي تحاول نفي صفات الله تعالى أو صرفها عن معناها الحقيقي الثابت في النصوص الشرعية.

النقاط الرئيسية

  • الخلاف حول وجود المجاز في القرآن والسنة مسألة أصولية عميقة وذات أثر عقدي كبير.
  • يرجح الشيخ أبي حفص عدم وجود المجاز في القرآن والسنة، متبعاً منهج الإمام الشنقيطي وكبار الأئمة.
  • أول من أدخل اصطلاح المجاز بمعناه الفلسفي هم المعتزلة، وكان هدفهم نفي صفات الله تعالى.
  • القول بالمجاز يؤدي إلى إمكانية نفي أجزاء من القرآن، وهو ما يترتب عليه بطلان عظيم ومخالفة لأصول الاعتقاد.
  • الأمثلة القرآنية التي يُستدل بها على المجاز يمكن تفسيرها بأساليب لغوية أخرى كـ "حذف المضاف" أو "إضافة الموصوف إلى صفته".
  • الجمادات تمتلك إرادة وتسبح بحمد الله، كما دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة، فلا داعي لتأويل أفعالها بالمجاز.
  • كثير من أئمة السلف والخلف أنكروا المجاز في القرآن والسنة، منهم ابن تيمية وابن القيم.

الفوائد والعبر المستفادة

  • تعميق الفهم لأصول الفقه وأساليب الاستدلال والتعامل مع النصوص الشرعية.
  • تحصين العقيدة من التأويلات الباطلة والانحرافات الفكرية التي قد تنتج عن فهم خاطئ للمجاز.
  • تقدير منهج السلف الصالح في إثبات صفات الله تعالى على ظاهرها اللائق بجلاله دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل.
  • تنمية مهارات التفكير النقدي في المسائل العلمية المعقدة، والقدرة على تمييز الحق من الباطل بالأدلة.
  • التعرف على تاريخ الخلافات العقدية وأثرها على العلوم الشرعية، مما يعين على فهم جذور كثير من الانحرافات المعاصرة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات