شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《69》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

2,271 مشاهدة
279 مشاركة
منذ سنة
```html

مقدمة

يُعدُّ علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأكثرها أهمية، فهو الميزان الذي تُوزن به الأدلة الشرعية، والمنهج الذي يُستنبط به الأحكام من مصادرها الأصيلة. يسعى هذا العلم الجليل إلى وضع القواعد والضوابط التي تُمكّن المجتهد من فهم النصوص الشرعية فهمًا سليمًا، وتطبيقها تطبيقًا صحيحًا، مما يُسهم في بناء الفقه الإسلامي على أسس متينة.

يتناول هذا الدرس المبارك، وهو الدرس التاسع والستون من شرح مذكرة أصول الفقه للإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، محاور بالغة الأهمية في فهم النصوص الشرعية، لا سيما ما يتعلق بالعموم والخصوص. يهدف هذا الشرح إلى كشف الغموض عن بعض المسائل الأصولية الدقيقة، وتوضيح الخلافات الفقهية فيها، مع بيان الراجح منها بالأدلة.

من خلال هذا الدرس، سيتمكن المشاهد من تعميق فهمه لكيفية التعامل مع النصوص العامة والخاصة، ومعرفة أنواع المخصصات، والوقوف على آراء العلماء في قضايا جوهرية مثل تخصيص العموم إلى فرد واحد، ودخول المخاطب تحت الخطاب العام، ووجوب اعتقاد عموم اللفظ العام والعمل به، مما يعزز ملكته الفقهية والأصولية.

المحاور الرئيسية

1. تخصيص العموم إلى أن يبقى واحد

يتناول هذا المحور مسألة أصولية دقيقة حول إمكانية تخصيص اللفظ العام حتى لا يبقى منه إلا فرد واحد فقط. يرى جمهور العلماء، ومنهم الحنابلة والمالكية وبعض الشافعية واختيار أكثر الحنفية، جواز هذا التخصيص، مؤكدين أن العموم يبقى حقيقة حتى بعد تخصيص جزء منه، ما دام يدل على ما بقي.

في المقابل، يرى القاضي أبو يعلى، وأبو بكر الرازي الجصاص، والقفال الشاشي الكبير، وأبو حامد الغزالي، أنه لا يجوز النقصان عن أقل الجمع، أي لا يجوز تخصيص العموم إلى أن يبقى فرد واحد، بل يجب أن يبقى عدد يدل على الجمع (اثنان أو ثلاثة حسب الخلاف في أقل الجمع).

وقد جزم المؤلف - الإمام الشنقيطي - بالقول الأول الذي يجيز التخصيص إلى أن يبقى واحد. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (آل عمران: 173)، حيث المراد بالناس القائلين قد يكون شخصًا واحدًا مثل نعيم بن مسعود أو أعرابي من خُزاعة. وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (آل عمران: 39) والمراد بها جبريل عليه السلام، أو الملائكة عموماً التي خاطبت نبي الله زكريا عليه السلام.

2. دخول المخاطَب تحت الخطاب العام

يتناول هذا المحور مسألة ما إذا كان المخاطِب (الآمر) يدخل تحت عموم خطابه للأمة أم لا. يرى المؤلف أن المخاطب يدخل تحت الخطاب العام، وهو الرأي الراجح، إلا إذا دلت القرينة على عدم دخوله. فإذا خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة بأمر عام، فإنه يدخل فيه ما لم يوجد دليل يخصه من هذا العموم.

وقد احتج المخالفون بأنه لو قال السيد لعبده: "من دخل فأعطه درهمًا"، فدخل السيد نفسه، فإنه لا يدخل في عموم خطابه، وليس على العبد أن يعطيه. وأجاب المؤلف بأن اللفظ عام، والقرينة هي التي أخرجت المخاطب في مثل هذه الحالة، لا أن الأصل عدم دخوله.

ويؤيد هذا الرأي سؤال الصحابة الكرام للرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ"، فسألوه: "ولا أنت يا رسول الله؟" فقال: "وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" (رواه البخاري ومسلم). وهذا يدل على أنهم فهموا دخوله في العموم، وأنه أقر بذلك، مما يثبت أن الأصل هو دخول المخاطب في الخطاب العام ما لم توجد قرينة تخرجه.

3. وجوب اعتقاد عموم اللفظ العام والعمل به في الحال

يدور هذا المحور حول ما إذا كان يجب اعتقاد عموم اللفظ العام والعمل به فورًا عند وروده، أم يجب التوقف والبحث عن مخصص له قبل الاعتقاد والعمل. يرى جمهور العلماء، ومنهم أبو بكر بن حامد الحنبلي والقاضي، وجوب اعتقاد العموم والعمل به مباشرة دون توقف على البحث عن المخصص. فالأصل في اللفظ العام أنه موضوع للعموم ويجب العمل بمقتضاه، فإن اطلع على مخصص عمل به، وإلا بقي العام على عمومه.

أما القول الآخر، الذي ذهب إليه أبو الخطاب وأوي إليه الإمام أحمد في رواية صالح ابنه وأبي الحارث، فيرى أنه لا يجب اعتقاد عمومه ولا العمل به حتى يبحث عن المخصص بحثًا يغلب به على الظن عدم وجوده، لأنه قبل البحث محتمل للتخصيص.

ويؤكد الشيخ أن التحقيق ومذهب الجمهور هو الراجح، فالله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والمسلم مطالب بالعمل بما بلغه من الوحي. فإذا بلغه لفظ عام، وجب عليه اعتقاده والعمل به، فإن بلغه تخصيص لاحقًا، عمل به. وهذا ما كان عليه شأن الصحابة رضي الله عنهم في تعاملهم مع الأدلة الشرعية.

4. الادله التي يخص بها العموم (المخصص المتصل)

يناقش هذا المحور أنواع الأدلة التي تُستخدم لتخصيص العموم. التخصيص في الاصطلاح هو: "قصر العام على بعض الأفراد بدليل يدل على ذلك". والعام هو: "اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة بلا قلط". ينقسم المخصص إلى قسمين رئيسيين: متصل ومنفصل. ويركز الدرس على المخصص المتصل، وهو ما لا يستقل بنفسه بل يكون مرتبطًا بالكلام العام، وله خمسة أقسام:

  • الاستثناء: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (النور: 4-5). فعموم عدم قبول الشهادة خصص بالذين تابوا. وقوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (الطلاق: 1).
  • الشرط: كقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء: 11). فالسدس للوالدين مشروط بوجود الولد للميت. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (النور: 33).
  • الصفة: كقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (النساء: 25). فالحل هنا مقيد بصفة الإيمان في الفتيات. وقوله صلى الله عليه وسلم: "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" (رواه البخاري)، فخص الزكاة بالغنم السائمة لا المعلوفة.
  • الغاية: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (البقرة: 222). فعموم النهي عن القربان مقيد بغاية الطهر. وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (البقرة: 235).
  • بدل البعض من الكل: كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: 97). فعموم الناس الذين فرض عليهم الحج خصص بمن استطاع إليه سبيلاً، فليس كل الناس مخاطبين بهذا الفرض بل بعضهم.

نقاط رئيسية

  • يجوز تخصيص العموم حتى لا يبقى إلا فرد واحد، وهو قول جمهور الأصوليين واختيار الإمام الشنقيطي.
  • الأصل أن المخاطب (الآمر) يدخل تحت الخطاب العام الذي يوجهه للآخرين، ما لم تدل قرينة على خلاف ذلك.
  • يجب اعتقاد عموم اللفظ العام والعمل به فورًا عند وروده، ولا يشترط البحث عن مخصص قبل العمل به.
  • التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك، ويُقسم إلى متصل ومنفصل.
  • المخصص المتصل خمسة أنواع: الاستثناء، الشرط، الصفة، الغاية، وبدل البعض من الكل.
  • فهم هذه الأنواع ضروري لاستنباط الأحكام الشرعية بدقة من النصوص القرآنية والسنة النبوية.

الفوائد والعبر

  • تعميق الفهم للنصوص الشرعية: يساعد الدرس في فهم كيفية التعامل مع النصوص العامة والخاصة، مما يجنب التسرع في الحكم أو الوقوع في الخطأ.
  • تقدير المنهجية الأصولية: يُبرز أهمية علم أصول الفقه كمنهج علمي دقيق لاستنباط الأحكام الشرعية، مما يزيد من الإيمان بكمال الشريعة الإسلامية.
  • التمييز بين آراء العلماء: يعرض الدرس الخلافات الأصولية بين الفقهاء مع الأدلة، مما يُعلّم المشاهد احترام التنوع الفقهي والتعامل معه بعلم وبصيرة.
  • التطبيق العملي في الحياة اليومية: يُمكّن المشاهد من تطبيق قواعد العموم والخصوص في فهم الخطابات والتوجيهات العامة في حياته، سواء كانت دينية أو دنيوية.
  • تنمية الملكة الفقهية: يُسهم في بناء أساس قوي للمهتمين بدراسة الفقه، ويُعينهم على تحليل النصوص الشرعية بشكل أعمق وأكثر تفصيلاً.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات