شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《54》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
مقدمة الفيديو
يُعد هذا الفيديو الدرس الرابع والخمسين ضمن سلسلة شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يستكمل الشيخ في هذا الدرس تناول الأصول المختلف فيها، ويركز بشكل خاص على مفهوم "الاستحسان"، أحد الركائز المهمة في علم أصول الفقه، والذي يثير الكثير من الجدل والفهم الخاطئ.
يهدف هذا الدرس إلى إيضاح المعنى الصحيح للاستحسان وتمييزه عن المعاني الباطلة التي قد تؤدي إلى الخلط في الفهم أو التعدي على حدود الشرع. كما يتطرق الدرس بشكل موجز إلى مفهوم "الاستصلاح" أو المصالح المرسلة، مما يثري فهم المشاهد للمصادر التبعية للاستنباط الفقهي.
سيتمكن المشاهد من خلال هذا الشرح المفصل من بناء فهم دقيق لهذه الأصول، وكيفية تطبيقها بشكل سليم، والتحذير من الانحرافات التي قد تنشأ عن سوء فهمها، مما يعزز من قدرته على التمييز بين الأحكام الشرعية المبنية على الدليل وتلك التي تعتمد على الأهواء أو الاستحسان العقلي المجرد.
المحاور الرئيسية للدرس
1. مفهوم الاستحسان والخلاف حوله
يبدأ الشيخ بتعريف الاستحسان كأصل ثالث مختلف فيه، مؤكداً على ضرورة فهم معناه الصحيح. يشير إلى مقولة الإمام الشافعي الشهيرة: "من استحسن فقد شرع"
، والتي قد تُفهم خطأً إذا لم يُعرف مراد الشافعي بالاستحسان الذي ذمه. يوضح الشيخ أن المعنى الذي قصده الشافعي هو الاستحسان العقلي المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي، مفرّقاً بينه وبين الاستحسان الشرعي القائم على الدليل.
2. المعنى الأول والصحيح للاستحسان (الاستحسان الشرعي)
يُعرف الشيخ الاستحسان الصحيح بأنه: "العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة". هذا يعني أن هناك حكمًا عامًا لمجموعة من المسائل، ولكن مسألة معينة تخرج عن هذا الحكم العام وتأخذ حكمًا خاصًا بسبب وجود دليل شرعي خاص بها. هذا العمل في حقيقته هو عمل بالدليل، وليس استحسانًا عقليًا محضًا.
يضرب الشيخ أمثلة توضيحية من السنة النبوية الشريفة:
- بيع العرايا: الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر لاختلاف الكيل، لكن رخص النبي صلى الله عليه وسلم في بيع العرايا تقديرًا للحاجة، وهذا عدول عن الأصل بدليل خاص.
- مسألة المصراة: الأصل في بيع الجهالة التحريم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمشتري في المصراة الخيار ثلاثة أيام، وأن يردها مع صاع من تمر، وهو عدول بدليل خاص.
- كشف الوجه للحاجة: الأصل أن المرأة عورة، لكن أبيح كشف وجهها ويديها للخاطب، أو للعلاج، وهو عدول عن الحكم العام بدليل خاص.
يُؤكد الشيخ أن هذا النوع من الاستحسان هو مذهب الأئمة الأربعة ولا يخالف فيه أحد، لأنه تخصيص لحكم عام بدليل شرعي خاص، وهو أمر حسن.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
"المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان."(رواه الترمذي وابن حبان والطبراني)
3. المعاني الباطلة والمذمومة للاستحسان
يُبين الشيخ أن هناك معنيين آخرين للاستحسان باطلين ومذمومين، وهما اللذان قصدهما الإمام الشافعي في مقولته:
- ما يستحسنه المجتهد بعقله: وهو ما يرجحه المجتهد بعقله دون ارتباط بدليل شرعي من كتاب أو سنة. هذا باطل لأنه مصادم للشرع، ويفتح بابًا للتشريع بالرأي والهوى.
- دليل ينقدح في صدر المجتهد لا يقدر على التعبير عنه: وهذا أيضًا باطل ومردود، فما لا يمكن التعبير عنه أو إيضاحه لا يمكن أن يكون دليلاً شرعيًا ملزمًا، لأن الشريعة واضحة ومبنية على البيان.
يضرب الشيخ أمثلة على التحايل على الربا، مثل بيع العينة (أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل من ذلك الثمن نقدًا)، وتبادل الذهب القديم بالجديد مع دفع الفارق، وكيف أن هذه المعاملات محرمة شرعًا رغم استحسان البعض لها بعقولهم أو دعوى "عموم البلوى". يؤكد الشيخ على أن المسلم مقيد بالكتاب والسنة وأسير لهما، ولا يجوز له تقديم عقله أو استحسانه الشخصي على نصوص الشرع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى. فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ."(صحيح مسلم)
4. الاستصلاح (المصالح المرسلة)
ينتقل الشيخ إلى الأصول المختلف فيها، ويتناول "الاستصلاح"، والذي يُعرف بأنه: "الوصف الذي لم يشهد الشرع لا بإلغائه ولا باعتباره". أي المصالح التي لم يأتِ نص شرعي صريح باعتبارها أو إلغائها، وتُعرف بالمصالح المرسلة.
يُعرف الشيخ أنواع المصالح التي تندرج تحت الاستصلاح:
- الحاجيات: وهي ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب.
- التحسينيات: وهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب المدنسات التي تأبى العقول الراجحة قبولها.
أبرز النقاط الرئيسية
- ينقسم الاستحسان إلى ثلاثة معانٍ رئيسية: اثنان باطلان وواحد صحيح.
- المعنى الصحيح للاستحسان هو "العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة"، وهو عمل بالدليل.
- المعاني الباطلة للاستحسان هي ما يستحسنه المجتهد بعقله أو دليل ينقدح في صدره لا يستطيع التعبير عنه، وهذان يفتحان باب التشريع بالهوى.
- مقولة الإمام الشافعي
"من استحسن فقد شرع"
تُحمل على المعاني الباطلة للاستحسان، لا على المعنى الصحيح. - من أمثلة الاستحسان الصحيح: بيع العرايا، مسألة المصراة، وكشف المرأة لوجهها ويديها للحاجة.
- التحايل على الربا (مثل بيع العينة أو تبادل الذهب القديم بالجديد مع الفرق) يُعد من الاستحسان الباطل لأنه مصادم للشرع.
- الاستصلاح (المصالح المرسلة) هو الوصف الذي لم يشهد الشرع لا بإلغائه ولا باعتباره، كتدوين الدواوين في عهد عمر رضي الله عنه.
الفوائد والعبر
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات