شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《14》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يُعد علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأساسها المتين، فهو المنهاج الذي يُبنى عليه استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. وفي هذا الدرس الرابع عشر من سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، يواصل فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري إبحاره في هذا العلم الشريف، كاشفًا عن دقائق المسائل وأسرارها.
يتناول هذا الدرس محاور غاية في الأهمية، تبدأ بتقسيم المستحيل والتكليف، وتُعَرِّف بالمفاهيم الأساسية التي يقوم عليها فهم التكاليف الشرعية. ويُعنى الدرس بشكل خاص بتوضيح أنواع الأفعال التي يتعلق بها التكليف، مؤكدًا على نقاط قد يغفل عنها الكثيرون، مثل اعتبار "الترك" و"العزم المصمم" من الأفعال التي يُحاسب عليها العبد. يهدف هذا الشرح إلى ترسيخ الفهم العميق لمصادر التشريع وكيفية التعامل معها، مما يعين طالب العلم على بناء ملكة فقهية راسخة.
المحاور الرئيسية
1. تقسيم المستحيل وأقسامه في الفقه والأصول
يبدأ الدرس بتوضيح مفهوم "المستحيل" وتقسيماته المختلفة، حيث يُفرّق بين المستحيل لذاته، والمستحيل لعلم الله تعالى بأنه لا يقع (مثل إيمان أبي جهل)، والمستحيل العادي. يُشار إلى أن ابن تيمية رحمه الله قسّم التكليف بما لا يطاق إلى خمسة أقسام رئيسية، وهي: الممتنع في نفسه (كالجمع بين الضدين)، والممتنع في العادة (كالصعود إلى السماء)، والممتنع شرعًا (بالاتفاق)، بالإضافة إلى ما استحال لوجود العلم والمشيئة الإلهية بأنه لا يكون، وما لا يتأثر فيه التكليف. هذا التقسيم يوضح مراتب الاستحالة وكيفية تعامل الشريعة مع كل منها.
يُؤكد الشيخ أن الخلاف في هذه المسائل يرجع إلى الجواز العقلي أو الاسم الشرعي، وأن الشارع قد أطلق في بعضها، مما يفتح بابًا لفهم أوسع لنطاق التكليف والقدرة الإنسانية في المنظور الشرعي. فالممتنع في نفسه والعادة والشرع لا يمكن تكليف العبد به، بينما ما استحال لعلم الله ومشيئته أو ما لا يتأثر فيه التكليف فجائز عقليًا.
2. مفهوم التكليف وأنواع الأفعال التي تتعلق به
يُعرّف التكليف لغةً بأنه إلزام ما فيه كلفة، وشرعًا بأنه الطلب الذي يتعلق بأفعال المكلف الاختيارية. يوضح الدرس أن الشارع الحكيم لا يُكلّف إلا بالأفعال التي يمتلك الإنسان إرادتها. ويُقسم الشيخ هذه الأفعال التي يتعلق بها التكليف إلى أربعة أقسام رئيسية، مستندًا في ذلك إلى الاستقراء والتتبع لأحكام الشريعة.
هذه الأقسام هي: الفعل الصريح الظاهر (كالصلاة والصيام)، وفعل اللسان وهو القول (كشهادة الزور، أو قول الحق)، والترك (وهو عدم الإتيان بالفعل)، والعزم المصمم على الفعل (وهو نية الفعل مع الإصرار عليه). هذا التفصيل يوسع مدارك طالب العلم حول نطاق المسؤولية الشرعية، ويُظهر أن التكليف لا يقتصر على الأفعال الظاهرة فحسب، بل يشمل ما هو أعمق من ذلك.
3. الاستقراء كدليل معتبر في الشريعة
يُشدد الدرس على أهمية "الاستقراء" كدليل شرعي معتبر، ويرد على من يُنكر حجيته في زماننا. يُبين الشيخ أن الاستقراء هو تتبع الجزئيات لاستنباط حكم عام، وهو منهج أصيل في علوم الشريعة واللغة. فمن خلال الاستقراء نعلم أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب في اللغة العربية، ومن خلاله نعلم أن الأمر يقتضي الوجوب ما لم تصرفه قرينة، وأن النهي يقتضي التحريم. هذا المنهج هو أساس فهم كثير من القواعد الأصولية والفقهية.
ويُشير إلى أن بعض المتدعين في زماننا شنّعوا على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسائل التوحيد، زاعمين أنه لم يأت بدليل من الكتاب والسنة على أقسام التوحيد، مدعين أن الاستقراء ليس دليلًا. يرد الشيخ على هذا الطرح الخبيث، مؤكدًا أن الاستقراء دليل معتبر باتفاق أئمة النحو والعلماء، وأن التوحيد الربوبي والإلهي والأسماء والصفات إنما عُلمت بالاستقراء لأدلة الكتاب والسنة. فالمشركون كانوا يقرون بالتوحيد الربوبي جزئيًا، وهذا ما كشفه الاستقراء لآيات القرآن الكريم.
4. الترك كفعل شرعي ودلائله
يُفنّد الدرس الرأي القائل بأن الترك أمر عدمي لا وجود له، ويُثبت بالأدلة أن الترك فعل من الأفعال التي يتعلق بها التكليف ويُحاسب عليها العبد. فكف النفس وفرضها عن المنهي عنه هو فعل إيجابي يستحق الثواب، كما أن عدم القيام بالواجب هو فعل سلبي يستحق العقاب. ويُستدل على ذلك من الكتاب والسنة واللغة.
من أدلة القرآن الكريم:
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]؛ حيث سمّى الله تعالى عدم نهي الربانيين والأحبار عن المنكر "صنعًا" (فعلًا).
- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]؛ فقد سمّى الله تعالى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا.
- قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"؛ فالسلامة من اللسان واليد هي ترك الأذى، وقد عُدّ ذلك فعلًا محمودًا.
5. العزم المصمم على الفعل كفعل شرعي
القسم الرابع من أقسام الأفعال التي يتعلق بها التكليف هو "العزم المصمم على الفعل"، أي الإصرار والنية الجازمة على فعل شيء معين. وهذا يدل على أن مجرد النية الجازمة المقترنة بالإصرار قد تكون محلًا للمحاسبة الشرعية، حتى وإن لم يتم الفعل على أرض الواقع.
الدليل على ذلك:
- حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". فلما سُئل عن القاتل عُرف، ولكن كيف يكون المقتول في النار؟ أجاب النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ". فدل الحديث دلالة قاطعة على أن حرص المقتول وعزمه المصمم على قتل صاحبه هو الفعل الذي أدخله النار، رغم أنه لم يتمكن من القتل.
النقاط الرئيسية
- ينقسم المستحيل إلى مستحيل لذاته، ومستحيل لعلم الله، ومستحيل عادي، مع تفصيل أقسام ابن تيمية للتكليف بما لا يطاق.
- التكليف هو الطلب الشرعي الذي يتعلق بأفعال المكلف الاختيارية، ولا يشمل ما هو خارج عن قدرته.
- الأفعال التي تتعلق بها التكليف أربعة: الفعل الصريح، فعل اللسان (القول)، الترك، والعزم المصمم على الفعل.
- "الاستقراء" دليل شرعي معتبر باتفاق أهل العلم، وهو أساس لاستنباط القواعد والأحكام في الفقه واللغة.
- "الترك" يُعد فعلًا شرعيًا يُحاسب عليه العبد، وله دلائل قاطعة من القرآن والسنة والفقه.
- "العزم المصمم على الفعل" هو أيضًا فعل شرعي يُحاسب عليه الإنسان، حتى لو لم يتمكن من إتمام الفعل، كما في حديث القاتل والمقتول.
- يجب على العلماء الربانيين بيان الحق وعدم السكوت عن المنكرات، فإن سكوتهم يُعد صنعًا يُحاسبون عليه.
الفوائد والعبر
- توسيع مدارك الفهم حول نطاق التكليف الشرعي، وأنه لا يقتصر على الأفعال الظاهرة بل يشمل النوايا الجازمة والامتناع عن الفعل.
- ترسيخ أهمية الاستقراء كمنهج علمي وأصولي في استنباط الأحكام، والرد على الشبهات المثارة حوله.
- فهم دقيق لمعنى "الترك" وأنه ليس مجرد عدم، بل فعل له آثاره الشرعية والمسؤولية المترتبة عليه.
- إدراك عظم مسؤولية العلماء والدعاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن سكوتهم عن بيان الحق يُعد إثمًا.
- الوعي بأن النوايا والعزائم الجازمة لها وزنها في ميزان الشريعة، مما يدفع المسلم لتهذيب باطنه قبل ظاهره.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات