شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《88》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
مقدمة عن الدرس
يُعد هذا الدرس الثامن والثمانون ضمن سلسلة شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رحمه الله، ويقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري. يتناول الدرس موضوعاً محورياً في علم أصول الفقه، وهو القياس، ويُسلّط الضوء على النقاش الدائر حول حجّيته بين العلماء، خاصة في الرد على الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله.
يركز الدرس بشكل خاص على تفنيد الشبهة القائلة بأن القياس باطل مطلقاً لأنه أول ما استعمله إبليس اللعين لمعصية ربه. يهدف الدرس إلى بيان حقيقة القياس الشرعي، وشروطه، والتمييز بين القياس الصحيح الذي يعتبر أصلاً من أصول التشريع، والقياس الفاسد الذي لا يعتد به.
سيتعلم المشاهد من خلال هذا الدرس أهمية فهم المنهجية الأصولية في استنباط الأحكام، وكيفية الرد على الشبهات التي تثار حول بعض أدلة التشريع، مع تقدير جهود الأئمة المجتهدين في خدمة الشريعة الإسلامية.
المحاور الرئيسية
1. إنكار ابن حزم للقياس وربطه بقياس إبليس
يبدأ الدرس ببيان موقف الإمام أبي محمد ابن حزم الظاهري رحمه الله، الذي يُنكر تعليل الأحكام الشرعية بالكلية، ويرى أن أي حكم ورد في الكتاب والسنة يجب طاعته والعمل به دون البحث عن علته. وبناءً على هذا المنطلق، منع ابن حزم القياس منعاً باتاً، معتبراً إياه باطلاً جملة وتفصيلاً.
يُرجع ابن حزم بطلان القياس إلى كونه أول ما استعمله إبليس اللعين في معارضة أمر الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام. فإبليس قاس نفسه على آدم بناءً على تفضيله لعنصر النار على الطين، ورفض السجود معتبراً أن الأفضل لا يسجد للمفضول، فكان هذا أول قياس فاسد في الوجود قاده إلى الكفر والطرد من رحمة الله.
ويستدل ابن حزم على موقفه بعدة آيات قرآنية تؤكد على وجوب اتباع ما أنزل الله والوحي، وينكر أن يكون القياس مما أنزل الله، ويعتبر من يحكم به كافراً أو ظالماً أو فاسقاً. كما يستدل بآيات تذم الظن، ويعتبر القياس من باب الظن المذموم الذي لا يغني من الحق شيئاً، وبناءً عليه يحرم البحث في المسائل التي لم ينص عليها الشرع.
- قال تعالى: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ (الأعراف: 12)
- قال تعالى: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ (الأعراف: 3)
- قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ رَبِّي ﴾ (سبأ: 50)
- قال تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ (المائدة: 49)
- قال تعالى: ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ (يونس: 36)
- قال صلى الله عليه وسلم: « إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ » (متفق عليه)
2. تفنيد قياس إبليس وبيان أوجه بطلانه
يرد الإمام الشنقيطي رحمه الله، وبيان الشيخ أبي حفص الأثري، على قياس إبليس من جهات عديدة تثبت بطلانه، مؤكدين أن ذم القياس هنا ينصب على القياس الفاسد، لا على أصل القياس الشرعي الصحيح.
أولاً: أن قياس إبليس كان مصادماً لنص صريح وأمر مباشر من الله عز وجل، وهو الأمر بالسجود. فكل قياس خالف نصاً من الكتاب أو السنة فهو باطل، ويُقدح فيه بما يُسمى "فساد الاعتبار"، أي أنه قياس لا قيمة له ولا يعتد به شرعاً، ولا يُمكن أن يكون هناك قياس مع وجود النص الصريح.
ثانياً: أن إبليس كان كاذباً في دعواه أن النار خير من الطين. فالطين في حقيقته خير من النار، فطبيعته الرزانة والجمع والإصلاح، يُودع فيه الحب فيُخرج السنبلة، ويُودع فيه النواة فيُخرج النخلة، وتُبنى منه البيوت. بينما طبيعة النار الطيش والتفريق والإفساد والتخريب، فكلما وُضع فيها شيء فرقته وأفسدته. ولقد غلب على آدم عنصر الطين فكان ساكناً متواضعاً مستغفراً، وغلب على إبليس عنصر النار فكان طائشاً متكبراً.
ثالثاً: حتى لو سلمنا جدلاً بأن النار خير من الطين، فإن شرف الأصل لا يدل بالضرورة على شرف الفرع. فكثيراً ما يخرج من الأصل الشريف فرع وضيع، ومن الأصل الوضيع فرع شريف. وهذا أمر مشاهد في الواقع، فكم من أب كافر يخرج منه ابن مؤمن، وكم من أب عالم يخرج منه ابن فاسد. فالعبرة بالعمل والتقوى، لا بالعنصر أو النسب.
3. الدفاع عن القياس الشرعي الصحيح ومكانة الأئمة المجتهدين
يؤكد الشيخ أن القياس المذموم عند العلماء هو ذلك الذي يصادم النصوص الشرعية، وليس القياس الذي يهدف إلى استنباط الأحكام للمسائل المستجدة أو المسكوت عنها في الشريعة، بشرط استيفاء أركانه وشروطه المعروفة في علم الأصول. هذا القياس الصحيح هو أحد الأدوات التي استخدمها الأئمة المجتهدون كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.
يُنتقد في هذا المحور موقف ابن حزم المتشدد تجاه الأئمة، حيث حمل عليهم حملة عظيمة وسخر من قياساتهم، معتبراً أن كل من اجتهد في شيء لم يكن منصوصاً عليه في الكتاب أو السنة فهو ضال ومُشرّع. ويُبين الشيخ أن ابن حزم نفسه لم يسلم من الوقوع في القياس في بعض المسائل، مما يدل على تناقض في منهجه.
ويُوضح الدرس أن الأئمة كانوا أولى بالصواب من ابن حزم في فهمهم لدين الله وأعمق فهماً لنصوص الكتاب والسنة. وأن ما اجتهدوا فيه، أكثره كان صواباً فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وما أخطأوا فيه فلهم أجر الاجتهاد ومعذورون في خطئهم، أسوة بالصحابة الكرام الذين كانوا يجتهدون في المسائل النازلة.
النقاط الرئيسية
- ينكر الإمام ابن حزم القياس مطلقاً، معتبراً إياه باطلاً وأول من استعمله إبليس اللعين.
- قياس إبليس كان باطلاً لأنه صادم أمراً إلهياً صريحاً، وهذا يُسمى "فساد الاعتبار".
- دعوى إبليس أن النار خير من الطين باطلة؛ فالطين أفضل بطبيعته من النار في الرزانة والإصلاح.
- شرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع؛ فقد يخرج من الأصل الفاضل فرع مفضول والعكس صحيح.
- القياس المذموم هو الذي يخالف النصوص الشرعية، أما القياس الصحيح فهو أداة للاجتهاد في المسائل غير المنصوص عليها.
- الأئمة المجتهدون استخدموا القياس بضوابطه الشرعية، ولهم أجر الاجتهاد سواء أصابوا أو أخطأوا.
- موقف ابن حزم من القياس يفتقر إلى التوازن، وقد وقع هو نفسه في بعض صور القياس التي أنكرها.
الفوائد والعبر
- فهم دقيق لمفهوم القياس في أصول الفقه، والتمييز بين القياس الصحيح والباطل.
- تقدير المنهجية العلمية للأئمة المجتهدين في استنباط الأحكام الشرعية.
- القدرة على الرد على الشبهات المثارة حول بعض أدلة التشريع كـ"القياس".
- التحلي بالتواضع العلمي وعدم التعصب، وعدم الإنكار المطلق لأدلة صحيحة في الشريعة.
- إدراك أهمية التسليم لأمر الله تعالى، وخطورة الاعتراض عليه بالرأي أو القياس الفاسد، كما فعل إبليس.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات