شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《67》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

1,930 مشاهدة
319 مشاركة
منذ سنة
```html

مقدمة

نستهل هذا الدرس المبارك بتحية الإسلام، سائلين الله تعالى أن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يحسن لنا ولكم الختام. في هذا الدرس السابع والستين من شرح كتاب "مذكرة أصول الفقه" للإمام الشنقيطي رحمه الله، يواصل فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري رحلته الماتعة في بيان عمق هذا العلم الشريف.

يتناول هذا اللقاء العلمي مسألتين أصوليتين بالغتي الأهمية: الأولى تتعلق بـ "أقل الجمع" في اللغة والشرع، وهي مسألة دقيقة تؤثر في فهم النصوص الشرعية. والثانية، وهي الأهم، تتناول القاعدة الأصولية الكبرى: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، والتي تعتبر مفتاحًا أساسيًا لاستنباط الأحكام وتطبيقها على المستجدات.

يهدف هذا الشرح إلى ترسيخ الفهم الصحيح للمنهاج الأصولي، وتزويد المشاهد بالقدرة على التمييز بين دلالات الألفاظ، وكيفية التعامل مع النصوص الشرعية التي وردت على أسباب خاصة، مع بيان أهمية التفصيل في المسائل الفقهية والورع في الفتوى، مما يعين على بناء فقه سليم وعمل راشد.

المحاور الرئيسية

1. حكم شراء حلوى المولد النبوي بين البدعة والإباحة

بدأ الشيخ الدرس بمعالجة سؤال حول حكم شراء حلوى المولد النبوي، موضحًا أن الأمر فيه تفصيل دقيق يراعي النية والقصد. فإذا كان الشراء بقصد الاحتفال والاحتفاء بهذه البدعة (المولد النبوي)، فإنه لا يجوز، لأنه مشاركة في بدعة والتأصيل لها، والمشاركة في البدع محرمة شرعًا.

أما إذا كان الشراء بناءً على أنها شيء موجود في السوق، كأي سلعة أو فاكهة موسمية، ودون نية الاحتفال بالبدعة، فلا حرج في ذلك. وضرب الشيخ مثالًا ببعض النضارنيات اللاتي يشترين هذه الحلوى دون قصد الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن الأصل في السلعة الإباحة ما لم تقترن بنية محرمة.

وأكد الشيخ على أهمية التفريق بين الفتوى والتقوى؛ فالفتوى تبين الحكم الشرعي العام، بينما التقوى تدعو أهل العلم والورع إلى اجتناب بعض المباحات خشية الوقوع في الشبهات أو التشبه بأهل البدع، وهو ما يمثل درجة أعلى من الورع لا يلزم بها عامة الناس.

2. مبحث أقل الجمع في أصول الفقه

انتقل الشيخ بعد ذلك إلى مبحث "أقل الجمع"، وهو من مسائل دلالات الألفاظ في أصول الفقه. وقد ذكر أن في المسألة قولين رئيسيين: الأول مذهب الجمهور وهو أن أقل الجمع ثلاثة، والثاني قول الإمام مالك وبعض النحويين وبعض الشافعية بأنه اثنان.

واستدل القائلون بأن أقل الجمع اثنان ببعض الآيات القرآنية التي جاء فيها لفظ الجمع والمراد به اثنان، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (النساء: 11)، حيث إن الإخوة هنا اثنان يحجبان الأم من الثلث إلى السدس. وكذلك قوله: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ (هود: 114)، والمراد طرفان.

أما حجة الجمهور، فهي واضحة في أن أهل اللسان العربي فرقوا بين المفرد والمثنى والجمع، وجعلوا لكل واحد منها لفظًا وضميرًا مختصًا به. ورد الشيخ على الاستدلال بحديث "الاثنان فما فوقهما جماعة" بأنه حديث ضعيف، وأن المراد به حصول الجماعة في الفضل الشرعي، لا في الدلالة اللغوية.

3. قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" وأهميتها

تعد قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" من القواعد الأصولية الجوهرية التي لا غنى لطالب العلم عنها. وهي تعني أن الحكم الشرعي المستنبط من نص معين لا يقتصر على السبب الخاص الذي نزل فيه النص، بل يشمل كل ما يدخل تحت عموم لفظ النص، ما لم يقم دليل على التخصيص.

أوضح الشيخ أن هذه القاعدة تضمن شمولية الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، فكثير من النصوص الشرعية نزلت لمعالجة حوادث معينة، ولكن ألفاظها جاءت عامة لتشمل كل الوقائع المشابهة. وهذا يحقق مرونة الشريعة وقدرتها على استيعاب المستجدات.

4. حالات وتطبيقات قاعدة عموم اللفظ لا بخصوص السبب

فصل الشيخ حالات تطبيق القاعدة إلى ثلاث:

  1. الحالة الأولى: أن يقترن النص بما يدل على العموم، فيعم حكمه بالإجماع. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38)، فمع وجود أسباب نزول خاصة بالرجال أو النساء، فإن لفظ "السارق والسارقة" يفيد التعميم.
  2. الحالة الثانية: أن يقترن النص بما يدل على التخصيص، فيخصص حكمه بالإجماع. ومثاله قوله تعالى في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب: 50)، فهذا الحكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
  3. الحالة الثالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص، وهنا تُطبق القاعدة بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومثاله آية اللعان في قصة عويمر العدلاني وهلال بن أمية، وآية الظهار في امرأة أوس بن الصامت، وآية الفدية في كعب بن عجرة: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (البقرة: 196)، وكذلك آية ميراث النساء: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (النساء: 33).

5. الأدلة الشرعية واللغوية على قاعدة عموم اللفظ لا بخصوص السبب

قدم الشيخ أدلة قوية على صحة قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" من الوحي واللغة:

  • من الوحي (النبوة): حديث أبي اليسر الأنصاري الذي قبل أجنبية، فتاب، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود: 114). فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: "ألي وحدي يا رسول الله؟" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل لأمتي كلهم". وهذا نص نبوي صريح في محل النزاع.
  • من السنة النبوية: استدلال النبي صلى الله عليه وسلم بآية ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف: 54) على جدل علي رضي الله عنه، مع أن سبب نزول الآية كان في الكفار الذين يجادلون في القرآن. وهذا يدل على أن العبرة بعموم اللفظ.
  • من اللغة العربية: مثال الرجل الذي تقول له زوجته: "طلقني"، فيطلق جميع نسائه الأربع. ففي هذه الحالة، يعم الطلاق الجميع، ولا يقتصر على الزوجة التي طلبت الطلاق، مما يؤكد أن اللفظ العام يشمل كل ما يندرج تحته.

النقاط الرئيسية

  • الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، وشراء حلواه بقصد الاحتفاء بها أو المشاركة فيها محرم.
  • يجوز شراء حلوى المولد كسلعة سوقية متاحة دون نية الاحتفال بالبدعة، مع مراعاة الورع.
  • أقل الجمع في اللغة والشرع فيه قولان: اثنان (قول الإمام مالك وبعضهم) وثلاثة (قول الجمهور)، والراجح قول الجمهور.
  • قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" أصل أصولي عظيم في فهم النصوص وتطبيق الأحكام.
  • النصوص العامة الواردة على أسباب خاصة قد تكون عامة أو خاصة أو يُعمل فيها بعموم اللفظ حسب القرائن والدلائل.
  • من أدلة عموم اللفظ: حديث أبي اليسر الأنصاري وقول النبي صلى الله عليه وسلم "بل لأمتي كلهم".
  • خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من الأمة يعم الجميع ما لم يقم دليل على التخصيص.

الفوائد والعبر

  • أهمية التفصيل في الفتوى: ضرورة عدم الإطلاق في الأحكام، بل التفصيل حسب النية والقصد والظروف، كما في مسألة شراء حلوى المولد.
  • التمييز بين الفتوى والتقوى: فهم أن التقوى قد تتطلب من أهل العلم والورع التورع عن بعض المباحات، وهو أمر يختلف عن الفتوى العامة التي تبين ما يجوز وما لا يجوز لعامة الناس.
  • ضرورة تعلم أصول الفقه: إدراك أن فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها يتطلب علمًا بأصول الفقه وقواعده، مثل قاعدة عموم اللفظ وخصوص السبب.
  • شمولية الشريعة ومرونتها: التأكيد على أن الشريعة الإسلامية عامة وشاملة بفضل قواعدها الأصولية، مما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وغير مقتصرة على أسباب النزول.
  • التدقيق في دلالات الألفاظ: أهمية معرفة دلالات الألفاظ في اللغة العربية والشرع، كما في مبحث أقل الجمع، لتجنب الأخطاء في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات