شرح مذكرة أصول الفقه للإمام الشنقيطي رَحِـمَـهُ الله الدرس《76》لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري

2,606 مشاهدة
17 مشاركة
منذ سنة
```html

مقدمة

يُعد علم أصول الفقه من أجلّ العلوم الشرعية وأكثرها أهمية، فهو الميزان الذي تُوزن به الأدلة الشرعية، والمنهج الذي يُستنبط به الأحكام الفقهية من مصادرها الأصيلة. وفي هذا الدرس السابع والسبعين من سلسلة شرح "مذكرة أصول الفقه" للإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، يأخذنا فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري في رحلة ماتعة وعميقة لاستكشاف أحد أهم مسالك إثبات العلة: "مسلك السبر والتقسيم".

يهدف هذا الدرس إلى تسليط الضوء على كيفية استنباط العلة للأحكام الشرعية، وهو مبحث حيوي لفهم مقاصد الشريعة والتعليل وراء أحكامها. سنغوص في تفاصيل هذا المسلك الأصولي الدقيق، الذي يمكّن الفقيه من حصر الأوصاف المحتملة للعلة، ثم اختبارها وإبطال ما لا يصلح منها، ليتبقى الوصف الصحيح الذي يصلح علة للحكم.

سيُمكنك هذا الدرس من تعميق فهمك للمنطق التشريعي الإسلامي، وتزويدك بأدوات تحليلية قوية لفهم كيفية بناء الأحكام الفقهية، مما يعزز قدرتك على التفكير النقدي في المسائل الشرعية، ويفتح لك آفاقًا جديدة في تقدير عظمة هذا العلم الشريف وأهميته في بناء الفقه الإسلامي.

المحاور الرئيسية

1. تعريف مسلك السبر والتقسيم وأصوله

يُعد مسلك السبر والتقسيم الضرب الثاني من أضرب إثبات العلة بالاستنباط، ويُعرف لغةً بالاختبار والتقسيم. يقوم هذا المسلك على أصلين أساسيين: أولهما حصر أوصاف المحل التي تصلح أن تكون علة للحكم، وهو ما يُعبر عنه بـ"التقسيم". وثانيهما إبطال ما لا يصلح للتعليل من هذه الأوصاف بطرق الابطال المعروفة، وهو ما يُعبر عنه بـ"السبر"، ليتبقى الوصف الوحيد الصالح للتعليل.

يستمد هذا الدليل أصله من كتاب الله عز وجل، كما في قوله تعالى في سورة الطور:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36)﴾

حيث يتم حصر الاحتمالات الممكنة لإيجاد الخلق، ثم إبطال المستحيل منها عقلاً، ليتعين أن هناك خالقًا واحدًا هو الله جل وعلا. وقد يشترط بعض العلماء، كأبي الخطاب الكلوذاني، إجماع الأمة على أن الأصل مقيس عليه معلل (غير تعبدي)، مع الاختلاف في تعيين العلة.

2. الأركان الثلاثة لمسلك السبر والتقسيم

يتأسس هذا المسلك على ثلاثة أمور رئيسية يجب تحققها ليكون صحيحًا: أولها، الإجماع على كون حكم الأصل معللاً وليس تعبدياً محضًا، بمعنى أن يكون له علة مفهومة يمكن استنباطها. ثانيها، أن يكون التقسيم حاصراً لجميع الأوصاف التي تصلح أن تكون علة للحكم، بحيث لا يبقى وصف زائد لم يُذكر، وذلك إما بموافقة الخصم أو بعدم قدرته على إبداء وصف آخر.

وثالثها، إبطال ما سوى الوصف الذي يراد التعليل به، ويتم هذا الإبطال بطريقتين أساسيتين. هذا الحصر والابطال هو جوهر المسلك الذي يضمن الوصول إلى العلة الصحيحة للحكم الشرعي.

3. طرق إبطال الأوصاف الزائدة

لإبطال الأوصاف التي لا تصلح أن تكون علة، توجد طريقتان رئيسيتان: الأولى، إثبات وجود الحكم بدون الوصف الذي يُراد إبطاله. فالعلاقة بين الحكم والعلة هي علاقة وجود وعدم؛ فإذا وجد الحكم دون الوصف، دل ذلك على أن هذا الوصف ليس علة، لأنه لا يدور معه الحكم وجوداً وعدماً، كما في مثال المشقة في السفر التي لا تستلزم القصر.

الطريقة الثانية لإبطال الوصف هي أن يكون الوصف طردياً، أي لا اعتبار له شرعاً في إثبات الأحكام. ينقسم الوصف الطردي إلى كلي وجزئي. فالطرد الكلي كالطول والقصر والذكورة والأنوثة بالنسبة لبعض الأحكام (مثل العتق)، لا يعتبره الشارع علةً على الإطلاق. أما الطرد الجزئي، فيكون الوصف معتبراً في بعض الأحكام وغير معتبر في أخرى، كالذكورة والأنوثة اللتين تُعتبران في الشهادة والميراث دون العتق.

ففي الشهادة مثلاً، قال تعالى:

﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾

وفي الميراث:

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾

مما يدل على اعتبار الشارع للذكورة والأنوثة في هذه الأحكام.

4. أقسام السبر والتقسيم والخلافات الأصولية

ينقسم دليل السبر والتقسيم عند الأصوليين إلى قسمين: قطعي وظني. فالقطعي هو ما كان حصر الأوصاف فيه وإبطال الباطل منها قطعيًا لا يحتمل الشك، كالآية الكريمة في سورة الطور التي ذكرناها. أما الظني فهو ما إذا كان حصر الأوصاف أو إبطال الباطل منها ظنياً يحتمل الرأي والاجتهاد.

وقد أشار الشيخ إلى خلافات أصولية حول هذا المسلك، منها ما يتعلق بشرط الإجماع على تعليل حكم الأصل، حيث يرى المالكية والشافعية أن الغالب في الأحكام هو التعليل، فلا يشترطون الإجماع. كما أُشير إلى عدم كفاية قول المستدل "بحثت فلم أجد إلا هذا"، بل يجب أن يجزم ويُثبت بالأدلة أن الأوصاف المحصورة هي الوحيدة الصالحة للتعليل، وأن ما سواها لا يصلح.

النقاط الرئيسية

  • مسلك السبر والتقسيم هو الطريقة الثانية لاستنباط علة الحكم، ويعني حصر الأوصاف المحتملة ثم إبطال غير الصالح منها.
  • أصل هذا الدليل مستمد من القرآن الكريم، كما في آيات سورة الطور التي تتحدث عن خلق السموات والأرض.
  • يقوم السبر والتقسيم على ثلاثة أركان: الإجماع على تعليل حكم الأصل، حصر جميع الأوصاف المحتملة للعلة، وإبطال الأوصاف غير الصالحة.
  • طرق إبطال الوصف غير الصالح للعلة تشمل: وجود الحكم بدون ذلك الوصف، أو أن يكون الوصف طردياً لا اعتبار له شرعاً.
  • ينقسم السبر والتقسيم إلى قطعي (إذا كان الحصر والإبطال قطعيين) وظني (إذا كان أحدهما أو كلاهما ظنياً).
  • يجب على المستدل أن يجزم بصلاحية الأوصاف التي يدعيها علة، ولا يكفي قول "بحثت فلم أجد غير هذا".
  • إذا أظهر المعترض وصفًا زائدًا لم يذكره المستدل، بطل السبر والتقسيم إلا إذا أثبت المستدل أن الوصف الزائد طردي لا دخل له في التعليل.

الفوائد والعبر

  • تنمية التفكير المنهجي: يعلمنا هذا المسلك الدقة في التحليل والاستنباط، ويقوي الملكة الفقهية والأصولية في فهم الأحكام الشرعية.
  • أداة للمناظرة والجدل: يوفر هذا المسلك منهجية قوية للمناظرات العلمية، حيث يمكن إبطال حجج الخصوم بحصر الاحتمالات وإثبات بطلانها.
  • فهم عمق الشريعة: يبرز السبر والتقسيم أن الأحكام الشرعية ليست مجرد تعبدات صِرفة، بل كثير منها معلل ومبني على حكم ومقاصد واضحة.
  • العودة للأصول: يُشدد الدرس على أهمية الرجوع إلى المصادر الأصيلة، ويدعو إلى مطالعة تفسير "أضواء البيان" للشيخ الشنقيطي في سورة مريم، الآية 78، لزيادة الفائدة.
  • تقدير جهود العلماء: يكشف هذا المسلك عن مدى الجهد والتدقيق الذي بذله العلماء الأصوليون في وضع القواعد والضوابط لاستنباط الأحكام، مما يعمق تقديرنا لعلمهم.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات