خطبة جمعة بعنوان --- : " تحريم الغيبة " لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
تتناول هذه الخطبة الوعظية الهامة لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، ضمن سلسلة "خطب الجمعة 2"، موضوعاً جوهرياً يمس صميم أخلاق المسلم وسلامة مجتمعه: ألا وهو "تحريم الغيبة". يلقي الشيخ الضوء على هذه الآفة الاجتماعية التي تستشري في الألسنة، مبيناً خطرها البالغ على الفرد والمجتمع، وكيف أنها تهدم الأواصر وتزرع الشقاق والبغضاء بين الناس.
تهدف هذه الخطبة إلى توعية المسلمين بخطورة الغيبة، وتعريفهم بحكمها الشرعي، والآثار السلبية المترتبة عليها في الدنيا والآخرة. كما تسعى إلى غرس أهمية حفظ اللسان وتطهيره من كل ما يغضب الله تعالى، وتحث على التمسك بالآداب الإسلامية الرفيعة في القول والفعل، لتكون ألسنتنا مفاتيح خير ومغاليق شر، وليعم الود والرحمة بين أفراد الأمة.
المحاور الرئيسية
1. تعريف الغيبة وحكمها الشرعي
يبدأ الشيخ بتعريف الغيبة تعريفاً شرعياً واضحاً، موضحاً أنها "ذكرك أخاك بما يكره"، سواء كان ذلك في خَلقه أو خُلقه أو نسبه أو أي صفة من صفاته، حتى وإن كان ما يُقال فيه حقاً. ويؤكد الشيخ على أن الإسلام حرم الغيبة تحريماً قطعياً، واعتبرها من كبائر الذنوب التي تورد صاحبها المهالك، لما فيها من انتهاك لحرمات المسلمين وخصوصياتهم.
يستشهد فضيلة الشيخ بالآية الكريمة التي تصور الغيبة بأبشع الصور، لترسيخ هذا التحريم في النفوس:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12)
كما يذكر الحديث الشريف الذي يوضح معناها بشكل جلي، حيث سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه» (رواه مسلم)
2. مخاطر الغيبة وآثارها السلبية
يتطرق الشيخ إلى الآثار المدمرة للغيبة على الفرد والمجتمع، فهي تفسد القلوب وتزرع الضغينة وتفكك الروابط الاجتماعية. فالمغتاب يجمع على نفسه إثم انتهاك حرمة أخيه، وإثم الكذب إذا كان ما يقوله غير صحيح (وهو البهتان)، وإثم نشر الفتنة والفرقة بين المسلمين. كما أنها تحرق الحسنات وتثقل الميزان بالسيئات، وتجعل المغتاب مفلساً يوم القيامة.
إن الغيبة دليل على ضعف الإيمان وسوء الخلق، وهي تباعد العبد عن ربه، وتجعله عرضة لسخط الله وعقابه. ويشير الشيخ إلى أن المجتمع الذي تنتشر فيه الغيبة يتحول إلى بيئة منعدمة الثقة، يسودها الشك والريبة، مما يعيق تقدمه وتماسكه.
3. علاج الغيبة والوقاية منها
يقدم الشيخ نصائح عملية للوقاية من الغيبة وعلاجها، تبدأ بمراقبة الله تعالى في السر والعلن، وتذكر عظم وقوف العبد بين يدي ربه يوم القيامة. فمن استحضر أن الله يسمعه ويراه، كف لسانه عن الخوض في أعراض الناس. كما يدعو إلى الانشغال بعيوب النفس وإصلاحها بدلاً من تتبع عيوب الآخرين.
ومن سبل الوقاية أيضاً، تجنب مجالس الغيبة والنميمة، وإن اضطر المسلم للجلوس فيها، فعليه أن يغير مجرى الحديث أو ينهى عن المنكر بلطف وحكمة. ويحث الشيخ على استبدال الغيبة بالدعاء للمسلمين وتمني الخير لهم، وبذكر محاسنهم بدل مساوئهم، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (رواه البخاري ومسلم)
4. أهمية حفظ اللسان
يوسع الشيخ نطاق الحديث ليشمل أهمية حفظ اللسان بشكل عام، مؤكداً أن اللسان هو ترجمان القلب، وهو من أخطر الجوارح التي إما أن تقود صاحبها إلى الجنة أو إلى النار. فاللسان مسؤول عن كل كلمة تخرج منه، سواء كانت خيراً أم شراً.
ويذكر الشيخ أن صلاح العبد وفساده قد يرتبطان بصلاح لسانه وفساده، وأن الكلمة قد تهوي بصاحبها في جهنم والعياذ بالله، كما جاء في الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب)
ويختم الشيخ هذا المحور بالتأكيد على أن حفظ اللسان من الغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم، هو من علامات الإيمان الصادق وحسن الإسلام.
النقاط الرئيسية
- الغيبة هي ذكرك أخاك المسلم بما يكره في غيابه، حتى لو كان ذلك صحيحاً.
- الغيبة محرمة شرعاً وتعتبر من كبائر الذنوب في الإسلام.
- شبه القرآن الكريم الغيبة بأكل لحم الأخ الميت، للدلالة على فظاعتها.
- تؤدي الغيبة إلى تدمير الثقة، ونشر الكراهية، وتفكيك الروابط الاجتماعية بين الناس.
- الغيبة تحرق الحسنات وتثقل الميزان بالسيئات وتجعل المغتاب مفلساً يوم القيامة.
- الوقاية من الغيبة تتم بمراقبة الله، والانشغال بعيوب النفس، وتجنب مجالس السوء.
- حفظ اللسان بشكل عام من كل قول محرم هو من علامات الإيمان وسبيل النجاة.
الفوائد والعبر
- تحقيق طهارة القلب واللسان، مما ينعكس إيجاباً على صحة الفرد الروحية والنفسية.
- تعزيز المحبة والوحدة بين أفراد المجتمع المسلم، ببناء جسور الثقة والاحترام المتبادل.
- الفوز برضا الله تعالى وتجنب سخطه وعقابه في الدنيا والآخرة.
- حماية الحسنات من الضياع، وضمان أجرها كاملاً يوم الحساب.
- تنمية الوعي الذاتي والمسؤولية عن كل كلمة ننطق بها، مما يدفعنا نحو تحسين أقوالنا وأفعالنا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات