قراءة وتعليق على كتاب"الموطأ للإمام مالك بن أنس /الدرس ( 24) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
المقدمة
يُقدم هذا الفيديو الدرس الرابع والعشرون ضمن سلسلة التعليق على كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس رحمه الله، وهو أحد أمهات كتب الحديث والفقه الإسلامي. يُعد الموطأ مرجعاً أساسياً لفهم السنة النبوية وأصول الفقه المالكي، ويتميز بجمع الإمام مالك بين الأحاديث النبوية وفتاوى الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة.
يتناول هذا الدرس، لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، موضوعاً بالغ الأهمية والحساسية في الشريعة الإسلامية: أحكام الحدود، وتحديداً "حد الرجم". يهدف الدرس إلى إيضاح هذه الأحكام من خلال نصوص الموطأ، مع التعريج على أدلتها من السنة النبوية والتوراة، وبيان الحكمة والضوابط الشرعية لإقامتها، مما يعمق فهم المسلم لعدالة الشريعة وحرصها على صيانة المجتمع.
المحاور الرئيسية
1. مكانة كتاب الموطأ ومنهج الإمام مالك في أبواب الحدود
يستهل الشيخ الدرس ببيان منزلة كتاب الموطأ كمرجع فقهي وحديثي عظيم، مؤكداً على أسلوب الإمام مالك في عرض الأحاديث والآثار مع فتاوى الصحابة والتابعين، وهو ما يجعله مصدراً غنياً للتشريع الإسلامي. ويتضح من خلال الدرس أن الإمام مالك يولي اهتماماً خاصاً لأبواب الحدود، مستعرضاً النصوص الشرعية المتعلقة بها بوضوح ودقة.
يبرز الدرس أن أحكام الحدود ليست مجرد عقوبات، بل هي تشريعات إلهية تهدف إلى حفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ويسلط الضوء على أن الإمام مالك يعتمد في استنباط الأحكام على الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة، مما يضفي على أحكامه قوة وثباتاً في تناول هذه المسائل الحساسة.
2. حد الرجم: أدلته الشرعية وقصص تطبيقها من السنة والتوراة
يتعمق الدرس في مسألة حد الرجم للزاني المحصن، مستعرضاً الأدلة من السنة النبوية المطهرة. ويشير الشيخ إلى قصة اليهود الذين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن حكم الزنا، وكيف أنهم حاولوا إخفاء آية الرجم في التوراة، فكشف الله أمرهم. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم حكم الرجم الموجود في التوراة، مما يؤكد على أصالته وتطابقه مع الشريعة الإسلامية.
كما يتناول الشيخ قصصاً مشهورة لتطبيق حد الرجم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قصة ماعز الأسلمي والمرأة الغامدية. ويؤكد على أن إقرارهم بالذنب ورغبتهم في التطهير يمثل دليلاً على إيمانهم العميق ورغبتهم في لقاء الله طاهرين. هذه القصص ليست مجرد حوادث، بل هي دروس عملية في تطبيق العدالة الإلهية والتوبة الصادقة، وتبرز أن التطهير من الذنوب في الدنيا خير من العذاب في الآخرة.
"فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الزاني؟ فقالوا: نفضح ما يتلونه. فوضع أحدهم يده على آية الرجم... فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدقت يا محمد، فيه آية الرجم. فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجموا."
"عن يزيد بن هزال الأسلمي أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني زنيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك قبلت أو لمست؟ قال: لا يا رسول الله، زنيت. فأعرض عنه ثلاث مرات، فلما أقر على نفسه بالزنا أمر به فرجم."
3. ضوابط إقامة الحدود ومن يتولى تنفيذها
يشدد الشيخ على أن إقامة الحدود ليست من صلاحيات الأفراد أو الجماعات، بل هي من خصائص وواجبات ولي الأمر (الحاكم الشرعي) أو من ينيبه. فالدولة هي المسؤولة عن تطبيق هذه الأحكام لضمان العدل والنظام، ومنع الفوضى والظلم والاعتداء على الحقوق. هذا المبدأ يمنع الأفراد من أخذ القانون بأيديهم، ويحفظ هيبة الشريعة وسلطة الدولة.
كما يوضح الدرس الشروط الصارمة لإثبات جريمة الزنا، سواء بالإقرار الصريح الواضح الذي لا لبس فيه، أو بشهادة أربعة شهود عدول رأوا الفعل نفسه. ويؤكد على أن الشريعة تحث على الستر وتجنب التجسس على الناس أو تتبع عوراتهم، فقوله: "لا يعني يتجسس على الناس ولا يتحسس على الناس ولا تتبع أخبار مص" يوضح هذا المبدأ. فالمقصود من الحدود هو الردع والتطهير، وليس التشهير أو هتك الستر.
"والحدود إقامتها من خصائص ولي الأمر ومن واجباته أنه يقيم الحدود ويقوم بها."
4. حماية المجتمع وأثر التوبة في رفع العقوبة الدنيوية
يتطرق الشيخ إلى أهمية حماية المجتمع من الفواحش، ليس فقط بإقامة الحدود، بل أيضاً بسد الذرائع المؤدية إليها، مثل الاختلاط المحرم والخلوة وتتبع عورات الناس. ويبرز أن الشريعة الإسلامية تهدف إلى بناء مجتمع طاهر يحافظ على الأعراض والأنفس، وأن الوقاية خير من العلاج.
ويوضح الدرس أن التوبة الصادقة لها مكانة عظيمة في الإسلام. فإذا أقر الزاني بذنبه وتاب توبة نصوحاً قبل أن يُرفع أمره إلى السلطان، فإن الله يتوب عليه ويستره. أما إذا أقر بعد أن رفع أمره إلى ولي الأمر، فإن إقامة الحد عليه تكون تطهيراً له في الدنيا من الذنب. ويؤكد الشيخ على أن الله يحب الستر، وعلى المسلم أن يستر على نفسه ولا يُشهر بذنبه إلا إذا أراد التطهير بإقامة الحد عليه.
النقاط الرئيسية
- كتاب "الموطأ" للإمام مالك مرجع أساسي في الحديث والفقه، ومنهجه يجمع بين السنة وعمل أهل المدينة.
- حد الرجم للزاني المحصن ثابت في الشريعة الإسلامية، ومؤيد بأدلة من السنة النبوية والتوراة.
- إقامة الحدود الشرعية هي مسؤولية ولي الأمر أو من ينوب عنه، وليست من صلاحيات الأفراد.
- الشريعة تحث على الستر وتنهى عن التجسس وتتبع عورات الناس، وتشدد في شروط إثبات الزنا (الإقرار أو أربعة شهود).
- التوبة الصادقة من الذنوب عظيمة عند الله، وإقرار المذنب بذنبه لطلب الحد يعتبر تطهيراً له في الدنيا.
- التمييز بين المحصن وغير المحصن في عقوبة الزنا: الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن (وفقاً للأدلة الشرعية).
- ضرورة سد الذرائع المؤدية إلى الفواحش وحماية المجتمع من أسباب الانحراف والفساد.
الفوائد والعبر
- فهم عميق للعدالة الإلهية: يكتسب المشاهد فهماً أعمق لحكمة الشريعة في وضع الحدود، وكيف أنها تهدف إلى حفظ المجتمع وصيانة حقوقه، لا مجرد العقوبة.
- تقدير منهج العلماء: يتعرف على منهج الإمام مالك في استنباط الأحكام الشرعية، وأهمية الرجوع إلى أصول الدين الصحيحة المعتمدة على الكتاب والسنة.
- أهمية التوبة والستر: يتعلم المسلم قيمة التوبة النصوح، وأن الله يحب الستر على عباده، ويدرك متى يكون
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات