شرح كتاب " سنن الإمام الترمذي " ( 17 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,989 مشاهدة
138 مشاركة
منذ سنة
```html

مقدمة

يُقدم فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري الدرس السابع عشر ضمن سلسلة شرحه الماتع لكتاب "سنن الإمام الترمذي" رحمه الله تعالى. يستكمل الشيخ في هذا المجلس المبارك، الذي عُقد بعد صلاة عشاء يوم الأحد الموافق 26 يناير 2025، شرح أبواب الطهارة، مركزًا على باب بالغ الأهمية هو "باب التشديد في البول"، والذي يحمل تحذيرات شديدة وعبرًا عميقة تتعلق بنظافة المسلم وطهارته.

يهدف هذا الدرس إلى توضيح خطورة التساهل في أمور الطهارة، خاصة ما يتعلق بالبول، وبيان أن ما قد يراه البعض أمرًا يسيرًا لا يستدعي الاهتمام، هو في حقيقة الأمر من الكبائر التي تستوجب عذاب القبر. كما يتناول الدرس جريمة النميمة، وهي الأخرى من أسباب العذاب الأليم، ويُقدم شرحًا مفصلاً لمفهوم التدليس في علم الحديث الشريف، مما يثري فهم المشاهد لأصول الرواية والدراية.

سيتعلم المشاهد من خلال هذا المجلس قيمة النظافة والطهارة في الإسلام، وكيفية تجنب أسباب عذاب القبر، بالإضافة إلى فهم دقيق لمسائل علم الحديث التي تُعينه على التمييز بين الروايات الصحيحة والمعللة، مما يعزز إيمانه ويُقوّم سلوكه على هدي الكتاب والسنة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أهمية الطهارة والتشديد في أمر البول

يُفتتح الدرس بباب "التشديد في البول" للإمام الترمذي، مُسلطًا الضوء على خطورة التساهل في هذا الأمر الذي قد يقلل بعض الناس من شأنه. يوضح الشيخ أن التشديد هنا يعني عدم التنزه أو عدم الاستتار أو قلة التنظيف من البول، وكلها أمور محرمة تستوجب العقوبة الشديدة في الشريعة الإسلامية. فالنبي صلى الله عليه وسلم شدد في هذا الأمر لتقصير بعض الناس ووقوعهم في المحرم.

يُبين الشيخ أن التساهل قد يكون بعدم الاستتار عند قضاء الحاجة، أو عدم الاستنزاه والتنظيف الكافي بعد التبول، أو عدم المبالاة بالقطرات المتبقية. يؤكد أن هذا التقصير، إذا لم يكن بسبب مرض، يُعد سببًا للعذاب، مما يستدعي من المسلم الحرص الشديد على طهارته ونظافته.

يُشدد الدرس على ضرورة اتخاذ كافة الاحتياطات لتجنب النجاسة، مثل اختيار المكان المناسب للتبول الذي لا يرتد منه الرذاذ على الثياب، واستخدام الماء أو المناديل الورقية للتنظيف الجيد، مع مراعاة الاستتار عن أعين الناس، تأكيدًا على كمال الطهارة والعفاف الذي يدعو إليه الإسلام.

المحور الثاني: شرح حديث ابن عباس وعذاب القبر

استدل الإمام الترمذي بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، والذي يُعد من الأحاديث المحورية في هذا الباب. يروي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ." (وفي روايات أخرى: "لا يستبرئ" و "لا يستنزه").

يُوضح الشيخ أن قوله: "وما يعذبان في كبير" يعني أنه ليس كبيرًا في نظر الناس الذين يتهاونون به، أو أنه كان كذلك في بداية الأمر ثم أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم فورًا أنه من الكبائر العظيمة عند الله. وهذا يؤكد أن بعض الذنوب التي قد يستهين بها الناس، هي في حقيقة الأمر عظيمة عند الله وتستوجب العذاب.

يُشير الشيخ إلى أن هذا الحديث يرجح أن صاحبي القبرين كانا مسلمين، لأن الكافر يُعذب على كل ذنوبه، بينما هنا خصص سبب العذاب، مما يدل على أن المسلم قد يُعذب على ذنوب معينة إذا لم يتب منها. ويُعد هذا الحديث تحذيرًا شديدًا للمسلمين من التساهل في أمور الطهارة ومن آفة النميمة.

المحور الثالث: مفهوم التدليس في الحديث النبوي

خصص الشيخ جزءًا هامًا من الدرس لشرح مفهوم التدليس في علم الحديث. يوضح أن التدليس لغةً هو إخفاء عيب السلعة. أما اصطلاحًا في علم الحديث، فهو "رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، بلفظ يوهم السماع" مثل قوله "عن فلان" أو "قال فلان" بدلًا من "سمعت" أو "حدثنا"، وذلك مع كونه قد سمع منه أحاديث أخرى.

يُبين الشيخ أسباب التدليس التي قد تكون للاختبار، أو للترفع في الإسناد، أو لكون الشيخ ضعيفًا أو مجهولًا. ويُفرق بين المدلس الذي يصرح بالتحديث (كقوله: سمعت، حدثنا)، فيُقبل حديثه، وبين من عنعن (قال عن فلان)، فحديثه لا يُقبل إلا بشروط معينة ككونه من الثقات الذين لا يدلسون إلا عن ثقة، أو أن يكون شيخه قد أكثر عنه الرواية.

يُقدم الشيخ أمثلة على المدلسين الكبار كالأعمش، ويُوضح أن نزول الأعمش في الإسناد (روايته عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس) يُبعد عنه شبهة التدليس في هذا الحديث بالذات، لأنه لو كان يدلس لطلب العلو في الإسناد لا النزول. ويُشير إلى أن التدليس منه ما هو مكروه ومنه ما هو محرم، خاصة إذا كان المدلس يدلس عن الضعفاء.

المحور الرابع: النميمة: تعريفها وحكمها وآثارها

يتناول الدرس السبب الثاني لعذاب القبر المذكور في حديث ابن عباس، وهو "النميمة". يُعرف الشيخ النميمة بأنها "نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر". ويُشدد على أنها من الذنوب الكبيرة التي تُفسد ذات البين وتُفرق بين الناس، وتُعد سببًا مباشرًا للعذاب في القبر.

يُفرق الشيخ بين النميمة المحرمة والتحذير المشروع من أهل الشر والفساد، أو نقل الكلام بقصد الإصلاح بين الناس. فإذا كان القصد هو الإصلاح أو درء مفسدة، فهذا ليس من النميمة المذمومة، بل هو من الأمور المحمودة التي أمر بها الشرع، ويُجيز فيها الكذب بقصد الإصلاح. ويُعطي أمثلة عملية على كيفية إفساد النمام بين الزوجين أو الأقارب، وكيف أن المصلح يسعى لجمع الكلمة وتهدئة النفوس.

يُحذر الشيخ من خطورة النميمة وما تُسببه من شقاق وعداوة وبغضاء بين المسلمين، ويُبين أن النمام لا يدخل الجنة كما جاء في الأحاديث الصحيحة. ويُحث المسلم على أن يكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وأن يسعى دائمًا إلى جمع القلوب وتأليفها، لا إلى تفريقها.

أبرز النقاط الرئيسية

  • التساهل في طهارة البول وعدم التنزه منه من أسباب عذاب القبر الشديد.
  • الحديث النبوي الشريف عن ابن عباس يُبين أن عدم الاستتار من البول والنميمة هما سببان لعذاب القبر.
  • معنى "وما يعذبان في كبير" يشير إلى استهانة الناس بالذنب، بينما هو عظيم في حكم الشرع.
  • التدليس في علم الحديث هو رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع بلفظ يوهم السماع، ويُشرح بالتفصيل أحكامه وأسبابه.
  • النميمة هي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد والشر، وهي من الكبائر المسببة لعذاب القبر.
  • يجب التفريق بين النميمة المحرمة والإصلاح بين الناس أو التحذير المشروع من أهل الشر.
  • أهمية الاستتار عند قضاء الحاجة واختيار المكان المناسب لتجنب رذاذ البول.

الفوائد والعبر المستفادة

  • الحرص الشديد على الطهارة والنظافة من البول وكل النجاسات، كسبيل للنجاة من عذاب القبر.
  • الابتعاد عن النميمة والسعي للإصلاح بين الناس وجمع كلمتهم، لما في ذلك من الأجر العظيم.
  • فهم عمق ودقة علم الحديث النبوي، وخاصة مصطلح التدليس، لزيادة الوعي بالروايات والسند.
  • تطبيق آداب قضاء الحاجة من استتار واستنزاه واستبراء، والاحتياط من رجوع الرذاذ.
  • إدراك أن بعض الذنوب التي قد يستهين بها الناس هي في ميزان الشرع من الكبائر العظيمة التي تستوجب العقوبة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات