شرح كتاب " سنن الإمام الترمذي " ( 18 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,920 مشاهدة
40 مشاركة
منذ سنة
```html

مقدمة

يأتينا هذا المجلس المبارك، وهو الثامن عشر ضمن سلسلة شرح كتاب "سنن الإمام الترمذي" لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري، ليغوص بنا في أعماق الفقه الحديثي، مستعرضًا قضايا هامة تمس حياة المسلم اليومية، بدءًا من أحكام الطهارة وصولًا إلى أسس العدالة الاجتماعية والدينية في الإسلام. تهدف هذه السلسلة إلى إرساء الفهم الصحيح للسنة النبوية المطهرة، وتوضيح المسائل الشرعية بأسلوب علمي رصين.

في هذا الدرس، يتناول الشيخ بابًا من أبواب الطهارة وهو حكم بول ما يؤكل لحمه، مستندًا إلى الأدلة الشرعية ومناقشًا آراء الفقهاء. كما يتطرق إلى قضايا أعمق تتعلق بالثبات على الحق، والتوكل على الله، وإقامة العدل، مستلهمًا ذلك من سيرة السلف الصالح وواقعة العرنيين التي وردت في الحديث النبوي الشريف. إن فهم هذه القضايا يعزز الإيمان ويقوي الشوكة، ويزود المسلم بالبصيرة اللازمة لمواجهة التحديات المعاصرة.

المحور الأول: حكم بول ما يؤكل لحمه بين الفقه والعلم

يبدأ الشيخ الدرس بمناقشة باب "ما جاء في بول ما يؤكل لحمه"، وهو من المسائل الفقهية المتعلقة بالطهارة. يوضح أن جمهور أهل العلم يذهبون إلى طهارة بول الحيوانات التي يؤكل لحمها كالإبل والغنم والبقر، مستدلين بحديث العرنيين. ويشير الشيخ إلى أن الإمام الترمذي استخدم صيغة "ما جاء في" بدل الجزم، احترامًا لوجود آراء أخرى وإن كانت قليلة.

وقد ذكر الشيخ الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه أن ناسًا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها (أي كرهوا المقام فيها بسبب مرض)، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من ألبان إبل الصدقة وأبوالها. هذا الحديث يعد دليلًا صريحًا على طهارة بول الإبل وجواز التداوي به، وهو ما يؤكد عليه الشيخ في ردّه على من يسخر أو يستهزئ بهذا الحكم الشرعي.

يؤكد الشيخ على أن هذا الأمر ليس محل سخرية، بل هو علاج مثبت لبعض الأمراض كفيروس الكبد، وأن الطب الحديث قد يعجز عن علاجه بينما ثبتت فعالية بول الإبل. ويشدد على أن المسلمين يجب ألا يلتفتوا لتشويه الإعلام المعادي، وأن القضايا الأساسية في الدين أهم من الانشغال بهذه الأمور الجانبية التي يثيرها المغرضون.

الحديث الشريف: «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَقَالَ اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا».

المحور الثاني: الثبات على الحق والتوكل على الله

خلال شرح سند الحديث، يتوقف الشيخ عند الإمام عفان بن مسلم، ويروي قصته العظيمة في الثبات على الحق أمام فتنة القول بخلق القرآن. رفض عفان الامتثال لأمر الوالي بالقول بخلق القرآن، مؤكدًا أن القرآن كلام الله غير مخلوق، رغم تهديده بقطع عطائه الشهري. هذا الموقف يمثل نموذجًا حيًا للشجاعة والإيمان الراسخ.

لقد عوض الله الإمام عفان خيرًا، حيث أرسل إليه من يرزقه ألف درهم شهريًا، وهو نفس مبلغ عطائه المقطوع، بل وأكثر منه. هذه القصة تبرهن على صدق وعد الله تعالى بأن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وأن الرزق بيد الله وحده، وليس بيد المخلوقين. وهي دعوة لكل مسلم للتوكل على الله وعدم مداهنة المخلوقين في دين الله.

قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].

المحور الثالث: جريمة العرنيين وعقوبة الغدر والإفساد

بعد أن استعاد العرنيون صحتهم بفضل ألبان الإبل وأبوالها، ارتكبوا جريمة نكراء؛ حيث قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم (الراعي يسار)، وسرقوا إبل الصدقة، وارتدوا عن الإسلام. هذا الغدر والخيانة والإفساد في الأرض يستدعي عقوبة رادعة، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.

عاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم (أي كواها حتى ذهبت)، وألقاهم في حرة المدينة حتى ماتوا. يدافع الشيخ عن هذا الفعل النبوي، مؤكدًا أنه ليس إرهابًا كما يزعم بعض المجرمين، بل هو تطبيق للعدل الإلهي في حق من غدر وخان وسفك الدم وأفسد في الأرض وارتد عن الدين. فالجزاء من جنس العمل، وهذا الحكم ردع لكل من تسول له نفسه الإفساد.

المحور الرابع: العدل الإلهي وضرورة إقامة الحدود

يُشدد الشيخ على أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم للعالمين لا تتعارض مع إقامة الحدود والعقوبات الشرعية على المجرمين. فمن تمام الرحمة حفظ أمن المجتمع وصيانة حقوقه ودينه من المفسدين. ويستنكر الشيخ دعوات "العفو والمسامحة" المطلقة التي لا تفرق بين الحقوق الشخصية وحقوق الله وحقوق المجتمع، والتي غالبًا ما تؤدي إلى انتشار الفساد والذل للأمة.

ويوضح الشيخ أن العفو يكون في حق المظلوم نفسه إن شاء، وليس في حق الله أو حقوق العباد العامة التي تستوجب تطبيق الشرع. فالرده، والقتل، والسرقة، والإفساد، كلها جرائم لها عقوبات محددة في الشريعة الإسلامية، تهدف إلى حفظ الضرورات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ومن ترك هذه الحدود، أمن العقاب فأساء الأدب.

قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّ

تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات