شرح كتاب " طريق الوصول إلى العلم المأمول" الدرس ( 3 ) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,395 مشاهدة
394 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

يُعد هذا الدرس الثالث ضمن سلسلة شرح كتاب "طريق الوصول إلى العلم المأمول" لفضيلة الشيخ الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، ويقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يستكمل الشيخ في هذا الدرس بيان منهج أهل السنة والجماعة في فهم أسماء الله وصفاته، وهو موضوع في غاية الأهمية لتصحيح العقيدة وتثبيت الإيمان.

يهدف هذا الدرس إلى توضيح الكيفية الصحيحة التي يجب على المسلم اتباعها في إدراك صفات الخالق سبحانه وتعالى، وذلك من خلال مبدأ "قياس الغائب على الشاهد"، مع التأكيد على الفروقات الجوهرية بين صفات الخالق و صفات المخلوقين. كما يسعى الدرس إلى تحصين المستمع من الوقوع في محاذير التشبيه أو التعطيل أو التكييف، والتي تُعد من أخطر الانحرافات العقدية.

المحاور الرئيسية

1. منهج فهم صفات الله تعالى: قياس الغائب على الشاهد

يُبين الشيخ أن طريقة فهم صفات الله عز وجل تعتمد على مبدأ "قياس الغائب على الشاهد". هذا يعني أننا ندرك معاني الصفات الإلهية (كالعلم، القدرة، الإرادة) بناءً على ما نشهده من هذه الصفات في المخلوقات، ولكن مع فارق عظيم وتمايز بيّن. فالإنسان لا يستطيع أن يعرف ما غاب عنه إلا بمعرفة ما شاهده وحسّه.

يوضح الشيخ أننا إذا عرفنا الذات، علمنا الصفة، وإذا جهلنا كيفية الذات، جهلنا كيفية الصفة. فكما نُثبت لله ذاتًا تليق به سبحانه، يجب أن نُثبت له صفات تليق بجلاله وعظمته، دون الخوض في الكيفية. فالعلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف، ونحن لا نعرف كيفية ذات الله، فبالتالي لا نعرف كيفية صفاته.

قال الشيخ: "إذا قال لك السائل كيف ينزل أو كيف يستوي أو كيف يعلم أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق، فقل له: كيف هو في نفسه؟ تعرف ذاته؟ لا الكلام في الذات في الصفات فرغن عن الكلام في الذات، إن علمت الذات علمت الصفة، وإن جهلت كيفية الذات تجهل كيفية الصفة. فإذا قال: أنا لا أعلم كيفية ذاته. فقل له: أنا لا أعلم كيفية الصفات. أنت لا تعلم، أنا لا أعلم، أنت لا تدري، أنا لا أدري. فكما تثبت ذاتًا فيجب أن تثبت لها صفات، فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف، لا نعرف ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدنا."

2. التفريق الجوهري بين صفات الخالق وصفات المخلوق

يؤكد الشيخ على أن هذا القياس ليس قياس تمثيل أو مشابهة، بل هو قياس من باب التقريب في الفهم مع إدراك الفارق الهائل. فالله عز وجل ذكر لنا في القرآن الكريم نعيم الجنة بأسماء نعرفها في الدنيا (مثل الرمان، العسل، الخمر، الفواكه)، ولكن حقيقتها في الآخرة تختلف اختلافًا كليًا عما نعرفه في الدنيا. فالرمان في الجنة ليس كرمان الدنيا، والعسل ليس كعسل الدنيا، والخمر في الجنة تختلف تمامًا عن خمر الدنيا المحرمة.

إن صفات المخلوق تليق بضعفه وفقره، بينما صفات الخالق تليق بعظمته وجلاله وكبريائه. حتى بين المخلوقات نفسها توجد فوارق عظيمة في الصفات رغم تشابه الأسماء (مثل يد النملة ويد الفيل، عين النملة وعين الفيل). فمن باب أولى أن يكون الفارق أعظم بين صفات الخالق والمخلوق.

قال الشيخ مستشهدًا بقول ابن عباس رضي الله عنه: "ما ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء." ويضيف: "صفات المخلوق تليق بضعفه وفقره، وصفات الخالق تليق بعظمته وذاته وجلاله وكبريائه سبحانه وتعالى." مؤكداً على القاعدة القرآنية العظيمة: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (سورة الشورى: 11).

3. التحذير من التكييف والتمثيل في صفات الله

يحذر الشيخ بشدة من محاولة تكييف صفات الله أو تمثيلها بصفات المخلوقين. فالسؤال عن "الكيفية" (كيف استوى؟ كيف ينزل؟) ممنوع في حق الله تعالى، لأن كيفيته مجهولة لنا. لا يجوز للإنسان أن يتخيل كيفية صفات الله، لأنه لا يعلم كيفية ذاته سبحانه.

إن الغرض من ذكر الصفات هو إثباتها لله تعالى على الوجه الذي يليق به، وليس لتخيل كيفيتها أو مقارنتها بصفات المخلوقين. فإيماننا بصفات الله يكون على أساس التسليم بما جاء في الكتاب والسنة، مع نفي المشابهة والمماثلة، وإقرار بأن كل صفة تليق بموصوفها.

قال الشيخ: "كيفية استواء ممنوع تسأل فيه... إذا قلت مثل إن حرف شيء لأنك لا تعلم كيفية الذات فلا تعلم كيفية الصفات. ... كل صفة تليق بموصوفها."

النقاط الرئيسية

  • فهم صفات الله تعالى يتم بمنهج "قياس الغائب على الشاهد" للتقريب في الفهم.
  • يجب الإقرار بالفارق العظيم بين صفات الخالق الكاملة وصفات المخلوقين الناقصة.
  • الأسماء قد تتشابه (مثل الرمان والعسل)، لكن الحقائق تختلف اختلافًا جذريًا بين الدنيا والآخرة.
  • التحذير الشديد من الخوض في كيفية صفات الله (التكييف) أو تشبيهها بصفات المخلوقين (التمثيل).
  • الإيمان بصفات الله يكون بالتسليم بما ورد في النصوص الشرعية دون سؤال "كيف؟".
  • كل صفة تليق بموصوفها، فصفات الله تليق بجلاله وعظمته، وصفات المخلوق تليق بضعفه وحاجته.
  • نعيم الدنيا وما فيها من خيرات هي أمثلة مصغرة لنتذكر بها عظمة نعيم الآخرة.

الفوائد والعبر

  • تثبيت العقيدة الصحيحة: يعزز فهم منهج السلف في الأسماء والصفات ويحصن المسلم من الانحرافات العقدية.
  • تقدير عظمة الخالق: ينمي في القلب تعظيم الله سبحانه وتعالى وإدراك كماله المطلق، مما يزيد من الخشوع والإنابة.
  • فهم النصوص الشرعية بعمق: يساعد على التعامل الصحيح مع آيات وأحاديث الصفات دون الوقوع في التأويل المذموم أو التشبيه المرفوض.
  • الاستفادة من نعم الدنيا للآخرة: يجعل المسلم ينظر إلى نعم الدنيا كدليل على عظمة الله، وحافزًا للسعي لنعيم الآخرة الأبقى والأكمل.
  • التحلي بالأدب مع الله: يعلم المسلم الأدب في التعامل مع ذات الله وصفاته، فلا يخوض فيما لا علم له به، ويسلم بما أخبر به خالقه ونبيه صلى الله عليه وسلم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات