شرح كتاب " السُّنَّة " للإمام البربهاري (5) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

5,018 مشاهدة
314 مشاركة
منذ 5 سنوات
```html

مقدمة: شرح كتاب "السُّنَّة" للإمام البربهاري (الدرس الخامس)

يُقدم فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري في هذا الدرس الخامس من سلسلة شرح كتاب "السُّنَّة" للإمام أبي محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله، بيانًا مُفصلاً لأصول عظيمة من أصول أهل السُّنَّة والجماعة. يُعد هذا الكتاب من المتون الأساسية التي تُرسخ العقيدة الصحيحة وتُحذّر من البدع والضلالات، وهو ضروري لكل مسلم يسعى لفهم منهجه السلفي القويم.

يهدف هذا الدرس إلى ترسيخ أهمية اتباع منهج السلف الصالح، وتوضيح كيفية التعامل مع نصوص الوحي الشريف، لا سيما ما يتعلق بصفات الله عز وجل، بعيدًا عن التأويل والتحريف والتعطيل. كما يُسلّط الضوء على خطورة الخوض في الجدال والكلام المحدث في أمور العقيدة، والذي قد يورث الشك في القلوب.

سيتمكن المشاهد من خلال هذا الشرح المبارك من تعميق فهمه للأسس التي يقوم عليها الإسلام الصحيح، وكيفية التمسك بالسنة النبوية المطهرة، والتحصن من شبهات المبتدعين، مما يُعينه على السير على طريق الاستقامة والثبات على الحق.

المحاور الرئيسية

1. وجوب الاتباع وخطورة المخالفة لمنهج السلف

يؤكد الشيخ على أن إسلام العبد لا يتم إلا بأن يكون متبعًا ومصدقًا ومسلمًا. ويُشدد على أن من يزعم وجود شيء من أمر الإسلام لم يكفنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كذبهم وطعن عليهم، وهو مبتدع ضال مضل. وهذا المبدأ يرسخ أهمية التزام منهج الصحابة الكرام في فهم الدين وتطبيقه.

يستدل الشيخ بحديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي يقول فيه: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير القلوب فاصطفاه لنفسه وابعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو حسن وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيئاً." والمراد بالمسلمين هنا هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يؤكد أن إجماعهم حجة شرعية يجب اتباعها.

2. السنة ليست محلًا للقياس أو الأهواء أو ضرب الأمثال

يشرح الشيخ قول الإمام البربهاري: "واعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تتبع فيها الأهواء، بل هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا كيف ولا شرح ولا يقال لما ولا كيف." ويوضح أن نفي القياس هنا ليس نفيًا للقياس الأصولي الصحيح، بل هو نفي للقياس الذي يعارض السنة أو يضرب بها، فالسنّة حجة بنفسها ولا تُصادم بالآراء الفاسدة.

كما يؤكد على عدم ضرب الأمثال التي تعارض السنة، أو اتباع الأهواء والشهوات في فهم الدين أو تأويل نصوصه. ويُحذّر من تقديم العقل على النقل (الكتاب والسنة) أو تقديم الواقع على الكتاب والسنة، فكل ذلك من البدع المحدثة. ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"، وأن أهل البدع سُمّوا بأهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم في مصادمة الوحي.

يجب على المؤمن أن يتبع لا أن يبتدع، فالدين قد كُفِيَ. ولا يجوز لمسلم أن يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أحد، لأن الوحيد الذي أمرنا الله باتباعه هو سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، مصداقًا لقوله تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء: 65).

3. التصديق المطلق بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح

يُبين الشيخ أن جوهر التعامل مع السنة هو التصديق المطلق بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخبار وأحكام، سواء كانت تتعلق بالماضي أو المستقبل أو الغيب، دون خوض في الكيفية أو السؤال عن العلة. ويستشهد بقوله تعالى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ" (آل عمران: 31).

يُفصّل الشيخ معنى "بلا كيف ولا شرح" عند الحديث عن صفات الله عز وجل، مؤكدًا على وجوب إثبات الصفات كما جاءت في النصوص الشرعية دون تشبيه أو تكييف أو تعطيل. ويضرب مثالاً بنزول الرب جل وعلا في الثلث الأخير من الليل، أو وضع القدم في النار، فالمؤمن يصدق بذلك تسليمًا، دون أن يسأل: "كيف ينزل؟" أو "كيف يضع قدمه؟". فالكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

يُذكّر الشيخ بالقاعدة العقدية العظيمة: "الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات"، فما دمنا لا ندرك كيفية ذات الله، فمن باب أولى ألا ندرك كيفية صفاته. لذا، يجب التسليم والانقياد والطاعة لما جاء به الوحي، وعدم الخوض في الكيفية التي لم يُخبرنا بها الله ورسوله.

4. خطر الكلام والخصومة والجدال في أمور العقيدة

يُحذّر الإمام البربهاري والشيخ من "الكلام والخصومة والجدال والمراء" في أمور العقيدة، ويصفها بأنها "محدث يقدح الشك في القلب". فكثرة الجدال والخوض في المسائل التي أخفاها الله أو لم يُفصّلها، خاصة فيما يتعلق بكيفية الصفات الإلهية، يورث الشك والاضطراب في القلب، حتى لو ظن المتجادل أنه على حق.

يستشهد الشيخ بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن وسوسة الشيطان في خلق الله، وكيف أن العلاج هو الإيمان بالله والانتهاء عن هذه الوساوس. ويُذكّر بأن الصحابة الكرام لم يخوضوا في مثل هذه الجدالات، بل آمنوا وسلموا، وهذا هو المنهج الذي أمرنا الله باتباعه: "فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ" (البقرة: 137).

تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات